هي الليلة الأولى التي يقضيها جزّار معتقل الخيام، عامر الفاخوري، خلف القضبان. في المديرية العامة للأمن العام، لن يذيقه أحد جزءاً ولو يسيراً من العذاب الذي كان يُنزله بالمعتقلين. القائد السابق لثكنة الخيام في عصابات أنطوان لحد، العميلة لإسرائيل، لم يكن يتوقع أمس أن ينتهي به الأمر موقوفاً. أول من أمس، عندما قصد «المديرية»، برفقة العميد في الجيش اللبناني ا. ي. كان الفاخوري يعتقد بأنه آتٍ لتسوية وضعه، واستعادة جواز سفره الأميركي الذي صودر منه الأسبوع الماضي في المطار. لكن قرار «الأمن العام» كان بعدم استقباله أول من أمس. طُلب إليه العودة صباح أمس، وهذا ما كان. وصل، وبدأ التحقيق معه. أعاد سرد تفاصيل عمله، قائداً لعصابات العملاء في معتقل الخيام، تحت إمرة الاستخبارات الإسرائيلية، وصولاً إلى عام 1998. وفيما كان سائداً أنه غادر لبنان، عبر فلسطين المحتلة حينذاك، أكّدت مصادر قضائية لـ«الأخبار» أن الفاخوري انتقل قبل تحرير الجنوب بنحو سنتين من قيادة العملاء في ثكنة الخيام ومعتقلها، إلى جهاز الأمن التابع مباشرة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان). واستمرّ، حتى تحرير الجنوب عام 2000، يعمل في جهاز الأمن الذي كان يتولى مراقبة الجنوبيين واعتقال من يشتبه العدو به، إضافة إلى تجنيد العملاء في المناطق المحررة.

صحيح أن القانون اللبناني أسقط الحكم الصادر بحق الفاخوري، إلا أن المديرية العامة للأمن العام كانت مصرّة على توقيفه. كذلك كان مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس. وبعدما وضع المحققون القاضي في صورة التحقيق، أشار بالإبقاء على الفاخوري موقوفاً. ومن المنتظر أن يُحال الملف، مع الموقوف، على النيابة العامة العسكرية. لكن بإمكان الأخيرة إبقاؤه في عهدة الأمن العام لأيام إضافية، بهدف التوسع بالتحقيق معه. فصحيح أن الموقوف يزعم أنه غادر الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي فرّ إليها مع باقي العملاء في أيار 2000، بعد أشهر قليلة، إلا أن المصادر القضائية تشكّك في ذلك، وترى وجوب التدقيق في أنه عمل لحساب العدو من داخل فلسطين المحتلة لسنوات، قبل انتقاله إلى الولايات المتحدة. وبناءً على طلب من وزير الدفاع الياس بو صعب، تقرر توسيع التحقيق من قبل النيابة العامة العسكرية، لتحديد الأشخاص أو الجهات التي عملت على تسوية وضع الفاخوري، وسحب مذكرات التوقيف الواردة بحقه من قيادة الجيش ضمن البرقية 303. وللتذكير، فإن هذه البرقية لا تتصل بأي إجراء قضائي، بل هي مبنية على «ضرورات الأمن القومي»، وتشمل المشتبه فيهم والمدانين بجرائم التعامل مع العدو والإرهاب. وتتيح للجيش توقيف المطلوبين بموجبها عند المعابر الحدودية المختلفة، أو عند توقيفهم من قبل أي جهاز أمني آخر، ولأي سبب كان.
يوم أمس، شهد اكبر عملية تبرؤ من مساعدة الفاخوري. كل «المشتبه فيهم» أنكروا صلتهم به. لكن الوقائع تُثبت أن شخصيات نافذة للغاية في الدولة، سمحت له بالعودة، وساعدته من خلال تنظيف سجلّه. ولو لم تقرر المديرية العامة للأمن العام مصادرة جواز سفره، لكان دخوله الأراضي اللبنانية مرّ بلا أي ضجيج يُذكر.

في العامين السابقين لتحرير الجنوب، انتقل الفاخوري للعمل في جهاز الأمن التابع لـ«أمان»


السفارة الأميركية في بيروت دخلت على الخط. الفاخوري المتباهي (على حسابه على موقع «فايسبوك») بصورة له مع دونالد ترامب (كما مع سياسيين لبنانيين زاروا الولايات المتحدة) يحمل الجنسية الأميركية. وبهذه الذريعة، أجرت السفارة اتصالات بمسؤولين لبنانيين، طالبة مقابلة الموقوف بهدف تقديم العون له، إلا أن طلبها قوبِل بالرفض. وفيما تجزم مصادر معنية بالقضية أن الضغط الأميركي سيؤدي إلى الإفراج عنه، تؤكد مصادر أخرى أن المسار القضائي لن يتوقف: النيابة العامة ستدّعي عليه، وقاضي التحقيق سيُصدر قراراً اتهامياً بحقه، ليُحال على المحكمة العسكرية. لكن ذلك بحاجة، بحسب مسؤولين حكوميين (وزراء وقضاة وأمنيين)، إلى استكمال الضغط الشعبي، إضافة إلى إجراءات قضائية من قبل المتضررين الشخصيين من الفاخوري. فالذين نظّفوا سجلّه وضمنوا له العودة ليسوا ضعفاء. وهزيمتهم في هذه القضية تحتاج إلى متابعة الضغوط وتكثيفها.