فرض «ثوار جل الديب» أنفسهم على خريطة المناطق المؤثرة في الانتفاضة، وتمكنوا من قطع طريق أساسي بين الشمال وبيروت لمدة طويلة. وطويلاً أيضاً، حاول حزبا القوات والكتائب «تسلّق» حراكهم والتلطي وراءه، إلا أن جزءاً لا بأس به من الشباب الحاضرين يومياً في المنطقة يرفضون أن يكون للحزبَين موطئ قدم جدّي. واليوم، يتوزع «ثوار جلّ الديب» على ثلاث مجموعات رئيسية:

ــــ المجموعة الأولى هي مجموعة الناشطين شربل قاعي وجيمي فرنسيس وقدامى التيار. يقول البعض إن قاعي وفرنسيس كتائبيان، إلا أن قاعي ينفي لـ«الأخبار» الأمر. ويعرّف عن نفسه بأنه «ثائر» لم ينزله الجوع الى الشارع، بل يعتصم ضد الفساد ولن ينسحب قبل رؤية الفاسدين في السجن. لا ينكر قاعي أن جل الديب استقطبت حزبيين، إلا أنهم بحسب قوله لا يعملون «حزبياً، بل كثوار وليس هناك قائد محدد للمجموعة». البعض من رفاق قاعي في المنطقة يتحدثون عنه على أنه «محب للاستعراض أمام الكاميرات، وغالباً ما تجده يتنقل من شاشة الى أخرى، ومن ميكروفون الى آخر، لكن عند قطع الطرقات أو حرق الإطارات ينسحب أو يستنجد بالناشط ربيع الزين من طرابلس. والأخير حاول الأسبوع الفائت دخول خيمتنا لصنع قنابل مولوتوف بهدف إلقائها على الجيش. منعناه من ذلك، فاحتدّ وبدأ يبث رسائل صوتية على واتساب بطابع طائفي. وذلك دفع مجموعة جل الديب الى إصدار بيان يعلن فتح المنطقة كنائسها وكنائس ضبية لاستقبال «ثوار طرابلس». أما قاعي، فيردّ بأن «الكاميرات هي التي تأتي اليّ وليست هواية بالنسبة إليّ». كل ما يريده هو العودة إلى الأرض: «بدي ازرع وأحصد». فيما يشير الى ترحيب جل الديب بكل من يلتجئ إليها، بمن فيهم الزين شرط عدم القيام بأعمال شغب أو التعرض للجيش. هل حزب القوات هو من يصدر القرارات بقطع الطرقات بالإطارات أو السيارات؟ «كلا، نتخذ القرار عبر التصويت في ما بيننا».
ــــ من بين شباب جل الديب، خرجت مجموعة جديدة عمرها أسبوع واحد، أطلقت على نفسها تسمية «عن حقك دافع». المحفزّ الرئيسي للاستقلالية وفقاً لبعض أعضائها هو «الخروج من الوسخ، لإعداد تركيبة مثقفة مؤلفة معظمها من طلاب الجامعات وأصحاب الأفكار المنتجة... وطبعاً متابعة النشاطات في زمن ما بعد الثورة». أسس المجموعة كل من: أنطوني الدويهي وفوزي كسرواني، ليبدأ نشاطهما الأول يوم السبت 18 كانون الثاني الجاري، بمسيرة من الدورة الى ساحة الشهداء. الأولوية لديهما «للثورة السلمية كالمسيرات والتحركات الموجهة الى الدوائر الرسمية ومكامن الفساد». والسلمية هنا تعني الابتعاد عن حرق الإطارات وقطع الطرقات إلا في الحالات الطارثة التي تستدعي هذا الأمر. يريد هؤلاء الوصول الى تركيبة تشبه تركيبة «بيروت مدينتي». التنسيق مستمر مع باقي المجموعات، على ما يقول الأعضاء وخصوصاً مع المجموعة الكبيرة الموزعة على مناطق عين الرمانة والشيفروليه والذوق وجبيل والعقيبة.
ــــ ما سبق يقود الى المجموعة الثالثة التي تسعى الى إدارة التحركات في كل هذه النقاط الموزعة في جبل لبنان، وفقاً للمصادر. هناك المسيطرون على الأرض ينتمون الى القوات اللبناينة ومنهم تصدر أوامر قطع الطرقات. يقول بعض «ثوار جل الديب» إن القوات تطلب دعمهم في معظم الأحيان، إنما لا يلبّون طلباتها كما حصل منتصف الأسبوع الفائت، عندما طلب أحد القواتيين في جل الديب إقفال الأوتوستراد «فرفضنا ذلك». لكن قبيلها، أي عشية تأليف الحكومة، كان هناك توجّه قواتي لإقفال الطرقات، يقول بعض من في المجموعة، غير أن «المشروع تعدّل ليطلبوا منا القيام بما سمّوه hit and run، أي إحراق دواليب على تقاطعات مختلفة في جبل لبنان وترك المواقع مباشرة». يومها «لبينا الدعوة حتى لا يعتبر قطع الطرقات حكراً على الطائفة السنية». كيف يجري الحشد في حالات مماثلة؟ ترد المصادر أن «عناصر القوات والمستقلين الذين ينسقون معهم، هم من يتولون الحشد وينظمون طريقة قطع الطرقات وإشعال الإطارات ويحدّدون النقاط». وتضيف المصادر إن القوات لم تدعُ إلى أي تحرك في الأيام المقبلة، والأحوال هادئة جداً، ولكن هناك معلومات عن أن معراب تهيئ للتجمع الأكبر أمام مجلس النواب خلال جلسة منح الثقة للحكومة. هل تشارك أحزاب أخرى القوات قطع الطرقات؟ «كلا، فالكتائبيون غير فعالين على الأرض». من جانبها، تنفي مصادر قواتية متنية كل ما سبق، مشيرة الى عدم وجود أي قرار مركزي بقطع الطرقات. فرئيس الهيئة التنفيذية في الحزب سمير جعجع «ترك الخيار مفتوحاً للحزبيين بالانضمام الى الثورة أو لا، لكن بصفتهم الشخصية، ولأن مبادئ القوات وعملها ومشاريعها تتناغم تماماً مع ما يريده المنتفضون. وبالتالي هي جزء من هذه الانتفاضة، أما اتهام البعض للقوات بقطع الطرقات والقيام بأعمال شغب، فلا يدخل إلا ضمن «الهجوم المستمر علينا بغية تشويه سمعتنا ولأننا خلافاً لأهل السلطة آثرنا تركها والوقوف الى جانب الشعب».

المعلومات تشير إلى أن «القوات» تجهّز لتجمّع كبير تزامناً مع جلسة الثقة


ــــ الى جانب المجموعات السابقة الذكر، مجموعة أخرى تتحرك في جل الديب وتضم مستقلين و«يساريين» وأفراداً من القوات وتنسق بشكل مكثف مع الكتائب، على ما يقول بعض الشباب الناشطين في المنطقة. ويشيرون الى أن المجموعة المخروقة من كل الأجهزة، بدءاً بأمن الدولة فمخابرات الجيش، وصولاً الى فرع المعلومات ومعلومات الأمن العام... والأحزاب بطبيعة الحال. لكن ينفي «الكتائب» أي علاقة له بمجموعة مماثلة، وتشير مصادره الى أن الحزب من الشعب ومن حقه أن يشارك في هذه الانتفاضة لأنه ينادي بمطالبها منذ سنوات، وقد تخلى عن السلطة رفضاً للفساد المستشري فيها.
لهذه المجموعة، وفقاً لبعض الشبان في جل الديب «أجندات متداخلة خمدت أخيراً، لكنها كانت ناشطة في الشهر الأول من الثورة». هؤلاء أيضاً لا يملكون أي تصوّر عما سيفعلونه في الأيام القليلة المقبلة وكيفية التعاطي مع الحكومة ووزرائها. وفي غياب التنظيم والقدرات اللوجستية والبشرية، يتوقع «ثوار جلّ الديب» أن تضمحل شيئاً فشيئاً، ليبقى التأثير الأكبر من ناحية قرار التحركات في مناطق جبل لبنان للقوات دون سواها، ولا سيما أن المجموعة الرئيسية التي كانت تنشط في جلّ الديب، أي التي استقلّت أخيراً («عن حقك دافع»)، حددت أجندتها وأهدافها ومواصفات المنضوين ضمنها؛ وهؤلاء لن يجدوا مستقبلاً أي نقاط مشتركة مع أجندة القوات وحركتها.