من المنتظر أن يطل حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، في كلمة متلفزة اليوم، يتحدّث فيها عن واقع مصرف لبنان، والاحوال النقدية والمالية. الكلمة تأتي تحدياً لطلب رئيس الحكومة حسان دياب، الذي اتهم الحاكم بانتهاج سلوك مريب وغامض إزاء تدهور سعر صرف الليرة. وقياساً على إطلالاته السابقة، من المتوقع ان يُكثر سلامة من استخدام الأرقام والمصطلحات التي «تضيّع» المشاهد. كما من المتوقع ان يتحدّث عن كلفة سلسلة الرتب والرواتب، وعن الدين العام، والعجز في ميزان المدفوعات، وأثر الحرب السورية على الاقتصاد اللبناني، وتراجع السياحة، والأزمات السياسية والامنية التي أثّرت سلباً على لبنان واقتصاده وماليته العامة ومصارفه... ربما سيأتي على ذكر كلمة فساد. لكنه بالتأكيد سيبتعد عن لبّ الأزمة في مصرف لبنان، أي، منهجه وطريقته في إدارة الأمور، والتعامل مع المال العام المؤتمن عليه كمال خاص يوزّعه كيفما يشاء، وعلى من يشاء.

الهندسات المالية التي اشتهرت في السنوات الأخيرة، لم تكن سوى واحدة من عمليات إعادة توزيع الثروة، عبر تحويل المال العام، وأموال المودعين، إلى أرباح تصب في جيوب أصحاب المصارف وكبار المودعين. جرت تلك العمليات بذرائع عدة:
- الدفعة الأكبر كانت بذريعة اجتذاب دولارات يحتاجها الاقتصاد اللبناني لتمويل الاستيراد، ومنَح بموجبها المصارف أكثر من 5 مليارات دولار كأرباح (راجع «الأخبار»، 13 كانون الثاني 2017).
- الدفعة الثانية كانت بذريعة الحفاظ على مصارف مهددة بالإفلاس، وجرت على مدى سنوات طويلة («الأخبار»، 21 شباط 2017).
- الدفعة الثالثة كانت لتمويل عمليات توسّع لمصارف، انتهت بتوزيع أرباح على مالكيها (راجع «الأخبار»، 4 نيسان 2017).
كُل تلك «الهندسات» كان يجريها سلامة مع مصارف. لكن الجديد الذي كشفته وثائق حصلت عليها «الأخبار»، تكشف أن «هندسات» سلامة لم تقتصر على القطاع المصرفي، بل تعدّته إلى شركات مالية. يكفي ان يكون صاحب الشركة من المحظيين لدى سلامة، ليمنحه قرضاً من مصرف لبنان، يشتري به سندات خزينة (أي أن الشركة تقترض من مصرف لبنان مالاً لتقرضه إلى وزارة المال). وتحقق الشركة نتيجة لذلك ربحاً صافياً، من دون أي جهد. تدفع الشركة لمصرف لبنان فائدة سنوية قدرها 5 في المئة، وتحصّل من الخزينة العامة فائدة على السندات تبلغ 7.11 في المئة (بحسب معدلات الفوائد عند تنفيذ هذه «الهندسة»). هذه العملية تحقق ربحاً صافياً للشركة قدره 2.11 في المئة، من المال العام. وفي الوثائق التي حصلت عليها «الأخبار»، تقريش هذه النسبة من الربح تعني نحو مليار ليرة سنوياً. ما الدافع وراء ذلك؟ لا وجود لأي دافع قانوني. لا مصلحة عامة تُرتجى. ثمة حاكم يمارس ألعاباً تشبه «السحر»، تجعل المحظيين أثرياء على حساب دافعي الضرائب.
الوثائق التي حصلت عليها «الأخبار» كناية عن عقد موقع بين مصرف لبنان، وشركة «اوبتيموم إنفست»، ممثلة برئيس مجلس إدارتها - مديرها العام انطوان سلامة. والاخير معروف في الأوساط المالية والمصرفية باسم طوني سلامة، وبأن شركته تتولى جانباً من عمليات تسويق سندات اليوروبوندز.

تذرّع الحاكم بأن «المقترض بحاجة إلى سيولة لتغطية بعض الالتزامات»


وفي هذا العقد، لا يخفي سلامة الهدف المكتوب بوضوح: «بما أن المقترض بحاجة إلى سيولة لتغطية بعض الالتزامات المتوجبة عليه». وبناءً على ذلك، قرر منحه اعتماداً بقيمة 48 ملياراً و600 مليون ليرة لبنانية، «لشراء سندات خزينة من فئة 84 شهراً». وينص العقد على ان يتعهّد المقترض بأن يرهن لصالح مصرف لبنان، عندما يطلب الأخير، السندات التي سيشتريها، ضماناً لتسديد القرض وفوائده.
هذا العقد الموقع في 21-6-2017، يستند إلى مواد من قانون النقد والتسليف، اهمها الفقرة الاولى من المادة 102، التي تنص على الآتي: «يمكن المصرف (مصرف لبنان) ان يمنح قروضا بالحساب الجاري بشكل فتح اعتمادات لمدة اثني عشر شهرا قابلة التجديد في حالات الضرورة لمرة واحدة على ان تكون مكفولة بسندات تجارية لا تتجاوز مدة استحقاقها السنة، او بذهب او بعملات اجنبية او بسندات قيم». لكن اللافت ان العقد لا ينص على كفالة، بل على تعهّد بالرهن، فضلاً عن ان المتعهَّد برهنه هو سندات تستحق بعد 84 شهراً، لا بعد مدة سنة التي تنص عليها المادة القانونية.
ولا بد من الإشارة إلى ان ما حصلت عليه «الأخبار» ليس وثائق بكل «الهندسات» التي اجراها سلامة. بل هي هندسة واحدة، من أصل عدد مجهول، وسيبقى مجهولاً إلى ان يجري تدقيق جدي في كل ما ارتُكِب في مصرف لبنان المركزي، على مدى 27 عاماً من حُكم سلامة. فالدافع وراء العقد، والوارد في عبارته الاولى «بما أن المقترض بحاجة إلى سيولة لتغطية بعض الالتزامات المتوجبة عليه»، يكشف طريقة عمل الحاكم. سلامة تصرّف مع اموال مصرف لبنان كما لو انها مال خاص. فحاجة المقترض إلى تغطية التزامات متوجبة عليه، لا تمنح أحداً، أي أحد، حق استخدام المال العام لتغطية تلك الحاجة.