حتى ليل امس، لم تكن «الخطة الأمنية» في طرابلس قد بدأت بشكل جدي بعد. فهي استهدفت بشكل رئيسي قادة المحاور في جبل محسن، وقائدي الجبل السياسيين، النائب السابق علي عيد ونجله رفعت. عملياً، صار الجبل في قبضة الجيش. لكن الاختبار الحقيقي للخطة الأمنية يبدأ اليوم، إذ من المنتظر ان يدخل الجيش وقوى الامن الداخلي منطقتي باب التبانة والحارة البرانية، حيث ثقل انتشار مسلحي طرابلس.


ورغم ان القوى السياسية والأجهزة الأمنية اعطت مهلة تتيح لجميع المسلحين التواري عن الانظار، فإن بعض المجموعات في التبانة كانت لا تزال مصرة، حتى ساعة متأخرة من ليل امس، على قتال الجيش. وكانت الاتصالات لا تزال مستمرة لإقناع الجميع بعدم الوقوع في فخ مواجهة القوى الامنية، وسط توقع مسؤولين رسميين بأن تمر الخطة بهدوء. وظهرت أمس بوادر اعتراض مسلحي التبانة والحارة البرانية على سير الخطة التي بوشر تنفيذها امس بعد جبل محسن في البقار والقبة وريفا ومشروع الحريري.

المشنوق: لا أمن بالتراضي بعد اليوم وما قبل الخطة غير ما بعدها
ورغم أن خدمة الإنترنت للهواتف الجوالة توقفت في المدينة منذ الصباح، ما أعاق التواصل بين المسلحين والمطلوبين، روّج هؤلاء شائعات بأن الجيش لا يتعامل مع جبل محسن بجدية، إذ لم يوقف أكثر من ثلاثة أشخاص، ولم يصادر كميات كبيرة من الأسلحة في منطقة يعتبرونها مخزناً كبيراً للأسلحة. كذلك فإن اعتقال مطلوبين (أبرزهم قائد محور ريفا جهاد دندشي)، بعضهم لم يرد اسمه في الاستنابات القضائية، أثار حفيظة مسلحي باب التبانة الذين اعتبروا أنهم خُدعوا، وأن الوعود التي تلقوها كانت بدخول الجيش منطقتهم من دون مداهمات أو توقيفات. هذه الأجواء دفعت عدداً من الشبّان والمسلحين في باب التبانة وحارة البرانية الى تنظيم تظاهرة احتجاج، قدّر عدد المشاركين فيها بأكثر من 150 شخصاً رددوا هتافات وشتائم ضد «زعماء الطائفة السنيّة» واتهموهم بـ«بيعنا والتخلي عنا».
وعزت مصادر سياسية أسباب الاحتقان إلى أن «مسؤولين سياسيين وأمنيين سابقين، مقربين من 14 آذار، أبلغوا قادة المحاور والمجموعات المسلحة رفع الغطاء عنهم، وأنه لن تدفع أي أموال لهم بعد اليوم»، فيما أُغلقت كل المنافذ في وجه المطلوبين الذين لا مكان يأوون إليه بعد سيطرة الجيش السوري على الحدود مع لبنان، وليس في إمكانهم التوجه الى مناطق أخرى أو التواري داخل طرابلس.
هذه الأجواء المضطربة طرحت تساؤلات عمّا إذا كان الجيش سيدخل منطقتي باب التبانة وحارة البرانية اليوم أياً كانت الاعتراضات أم أن المجال سيُفسح أمام مزيد من الاتصالات؟
تحركات الجيش والقوى الأمنية ميدانياً تشي بأن تطبيق الخطة قرار لا رجعة عنه، خصوصاً بعدما نقل عن وزير الداخلية نهاد المشنوق أن أي «انتشار عسكري وأمني سيكون حاسماً، وأن التقاعس غير مسموح، ولا أمن بالتراضي بعد اليوم»، وتأكيده أن «ما قبل الخطة الأمنية شيء، وما بعدها شيء آخر». وفي الوقت نفسه، كانت قوات عسكرية كبيرة تتمركز على تخوم منطقة باب التبانة.
وفيما التقى وفد من هيئة العلماء المسلمين قادة المحاور والمجموعات المسلحة في باب التبانة الذين عبّروا عن نقمتهم على السياسيين الذين تخلّوا عنهم مؤكدين أنهم لا يريدون قتال الجيش، توجّه وفد من الهيئة إلى بيروت للقاء المشنوق. وأعلن الشيخ سالم الرافعي أن الوفد طلب من وزير الداخلية أن تكون الخطة الامنية قد وضعت لإحلال الأمن في طرابلس «وليس لإخضاعها وإذلال أهلها». وأضاف، في بيان، أن «الهيئة أبدت هواجسها بسبب بعض التجاوزات أثناء تطبيق الخطة، وطالبت بدعوة المؤسسات الحقوقية والانسانية لمراقبة تنفيذها لضمان شفافيتها وعدم حصول انتهاكات للحريات العامة، وتصوير المداهمات لمحاسبة المخلين بجرم إساءة استعمال السلطة».
على أيّ حال، سارت الخطة أمس وفق المرسوم لها، إذ دهم الجيش معززاً بأكثر من 1500 عنصر وضابط من قوى الأمن الداخلي منازل مطلوبين، وألقى القبض عليهم. وبلغ عدد الموقوفين حتى المساء 23 شخصاً، ثلاثة في جبل محسن والبقية في القبة وجوارها، إضافة إلى توقيف أربعة آخرين في منزل النائب السابق علي عيد في بلدة حكر الضاهر في عكار بعد دهمه، ومصادرة أسلحة وذخائر، وإزالة متاريس ودشم كانت موجودة على خطوط التماس. واستعان الجيش بطوافتين حلّقتا على علوّ منخفض فوق المناطق المذكورة، خصوصاً خلال الصباح.
وفي ما يتعلّق بقادة المحاور، فقد راجت شائعات عن أن كلاً من سعد المصري وعامر أريش وزياد علّوكي غادروا إلى تركيا، فيما ذكرت معلومات أخرى أن أريش وعلّوكي مختبئان في إحدى قرى عكّار، فيما بقيت وجهة المصري مجهولة. أمّا العقيد المتقاعد عميد حمود فلم يرد ذكره أمس، رغم أن التقارير الأمنية تزخر بمعلومات عن دوره الفاعل في أحداث طرابلس والشمال. وكان لافتاً أمس دهم القوة الضاربة في فرع المعلومات منزل أهل زوجة الشيخ عمر بكري في القبة بحثاً عنه، بعد مغادرته منزله في أبي سمراء. وأوضحت زوجة بكري لـ«الأخبار» أن عناصر المعلومات دهموا بيت أهلها فجراً و«أثاروا الرعب في نفوسنا». وكشفت أن زوجها غادر منزله مساء أول من أمس إلى جهة لا تعرفها، بعدما طرق عليه شخص باب المنزل وخرج معه من غير أن يوضح وجهته.
وكان الجيش أعلن في بيان صباحاً بدء إجراءات تطبيق الخطة وتسيير دوريات وإقامة حواجز، وتنفيذ عمليات دهم للمطلوبين بموجب استنابات قضائية. وقبيل منتصف الليل، أعلنت قيادة الجيش أن وحداته استكملت إجراءاتها الامنية في مدينة طرابلس وبعض مناطق الشمال، حيث بلغ عدد الموقوفين 75 موقوفا، بينهم 27 شخصا من التابعية السورية والفلسطينية، كما تمّ ضبط 91 دراجة نارية و6 سيارات مخالفة، بالإضافة الى كميات من الاسلحة والذخائر الحربية والاعتدة العسكرية المتنوعة.
وأثارت الخطة ردود فعل في الأوساط السياسية. فرأى النائب وليد جنبلاط أن «أطرف ما في الخطة الأمنية التي لا يمكن إلا أن نؤيدها ونتمنى لها النجاح لرفع القهر والغبن عن أهالي طرابلس، أنها أنذرت كل قادة المحاور سلفاً بموعد قدومها، فبات بإمكان رفعت عيد أن يتابع دراسته العليا في جامعة بركلي، في حين من غير المستبعد أن يحتل قادة المحاور المقاعد الأمامية في أرقى جامعات أوروبا، ويتوزعون بين باريس ولندن وبرلين إذا ما ثبت أن أرزاقهم قد قطعت جدّياً هذه المرة بفعل الخطة». وسأل: «ألم يكن ممكناً توفير عشرين جولة قتالية وسقوط المئات من الشهداء المدنيين الأبرياء وحتى من العسكريين، بدل إنهاك طرابلس وكلّ وفق حساباته، رئاسية أو وزارية أو نيابية أو محلية؟».
وتعليقاً على دهم الجيش جبل محسن، أوضح عضو المكتب السياسي في الحزب العربي الديمقراطي علي فضة لـ«الأخبار» أن «الذين أوقفهم الجيش عندنا 3 أشخاص فقط، لم ترد أسماؤهم في الاستنابات القضائية»، مؤكداً أن «انطلاق تطبيق الخطة من جبل محسن لا يعتبر مشكلة بنظرنا، فالجيش مرحّب به عندنا، وما نريده هو نجاح الخطة، وأن يتمكن أبناء منطقتنا من الخروج إلى أعمالهم من دون التعرض لهم».