حدّد قاضي التحقيق العسكري فادي صوّان جلسة للاستماع إلى المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان، على خلفية ادعاء مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية فادي عقيقي عليه مستنداً إلى تعاميم أصدرها عثمان تشرّع حفر آبار ارتوازية مخالفة للقانون، وتشييد أبنية مخالفة، وذلك سنداً للمادتين ٣٧٦ و ٣٧٧ من قانون العقوبات المتعلقة بإهمال الواجبات الوظيفية. وبذلك يكون القاضي صوّان قد رمى الكُرة في ملعب وزير الداخلية والبلديات محمد فهمي، لأن إبلاغ عثمان بموعد الجلسة ينبغي أن يتم عبر «الداخلية»، علماً بأن الادعاء على عثمان تمّ من دون إذن مسبق من الوزير.

(هيثم الموسوي)

ورغم أنّ الأذونات المخالفة للقانون التي أصدرها عثمان يُعمل بها منذ أكثر من عشر سنوات، أي منذ ما قبل تعيين عثمان في قيادة المديرية، إلا أنّ ذلك لا يُعطيها شرعية قانونية. فهذه الأذونات الاستثنائية مخالفة للقانون، وعدم السماح بملاحقة مرتكِب هذه المخالفات يعني حماية حارم الدولة من الرسوم والعائدات المالية التي من المفترض أن تجبيها بدل السماح بحفر الآبار، فضلاً عن التفريط في الموارد المائية للدولة اللبنانية لتُمنح لغير المستحق على شكل رشوة انتخابية حيناً ومقابل رشوة مالية أحياناً، وهو ما لن يُكشف إن لم يكن هناك تحقيق قضائي ومحاكمة.
ورغم أنّ المسار المرتقب للملف قضائي بحت، إلا أنّ الخطوة القائمة لا يمكن أن تُقرأ بمعزل عن السياسة، وتحديداً في خضم الكباش القائم بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحُرّ، ولا سيما أنّ تيار المستقبل سارع إلى إصدار بيانٍ للدفاع عن اللواء عثمان مستبقاً أي تحقيق؛ فجاء في البيان أنه «من المؤسف أن يدّعي قاضٍ على مدير عام قوى الأمن بناءً على كيدية قاض قدّم استقالته بعد انكشاف فساده»، معتبراً أنّ الادعاء حملة سياسية لـ«الابتزاز السياسي بلباس قضائي». ورغم أنّ أحداً لا يُمكنه نفي أنّ ادعاء القاضي بيتر جرمانوس آنذاك جاء في سياق الكيدية رداً على فتح فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي ملف الفساد القضائي الذي طاله، وهذا ما استخدمه رئيس تيار التيار الوطني الحر جبران باسيل في حملته الانتخابية للتصويب على تيار المستقبل وقتذاك، إلا أن ذلك لا يُبرّئ اللواء عثمان الذي تُثبت الوقائع أنّه منح مئات الأذونات والتراخيص لحفر الآبار وتشييد الأبنية المخالفة، ولا يجوز لوزير الداخلية محمد فهمي أن ينظر بعين واحدة، فيرى أنّ الادعاء كيديّ من دون أن يرى بعينه الأخرى كيف تُهدر موارد الدولة ويُفرَّط في الموارد المائية.
عدم سماح وزير الداخلية بملاحقة مدّعى عليه بارتكاب هذه المخالفات يعني حماية حارم الدولة من الرسوم والعائدات المالية


كما أنّ العنصر المستجد المُضاف لحصول الادعاء يُستشفُّ من خلفه أيضاً دوافع شخصية للقاضي صوّان، إذ إنّ محكمة التمييز الجزائية التي يرأسها القاضي جمال الحجّار اتّخذت قبل أسابيع قراراً بإطاحة صوّان كمحقق عدلي في انفجار مرفأ بيروت. ورغم أنّ القاضي الحجّار لا يُغرّد في سرب التيار الأزرق، إلا أنّ هناك من يُحمّل الجانب السياسي الذي يحسبه عليه مسؤولية هذا القرار.
كما أنّ الادعاء السابق الذي سجّله مفوض الحكومة السابق بيتر جرمانوس على عثمان لم يأخذ به صوّان قبل أكثر من عامين، مع أنّ جرمانوس ضمّنه ثلاثة مستندات: نسخة عن تحقيق نشرته «الأخبار» عن فوضى حفر الآبار، واستنابة وبرقية صادرة عن عثمان، وإفادة قلمية من قلم النيابة العامة العسكرية تتعلق بالتمنع عن تنفيذ قرار قضائي ومنح أذونات بحفر آبار وتراخيص بناء. يومها ردّ صوّان الادّعاء ومنع المحاكمة عن عثمان، معتبراً أنّ تحريك الدعوى مخالف للأصول، علماً بأنّه كان هناك ادّعاءان؛ الأول ضد عثمان والثاني ضد فرع المعلومات. يومها أبقى صوّان الملف لديه لأشهر حتى رحيل جرمانوس، قبل أن يمنع المحاكمة عن عثمان من دون أن يستدعيه حتى. فماذا تغيّر بين الأمس واليوم ليُسارع القاضي صوّان، فور ادعاء عقيقي، إلى تعيين جلسة للاستماع إلى اللواء عثمان، مع أنّ الجرم غير مشهود والجلسات مرجأة بسبب فيروس كورونا، ورغم ذلك أحال الاستدعاء إلى وزارة الداخلية حتى من دون الحصول على إذن مسبق بالملاحقة؟

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا