مثل كرة الثلج تسارعت المواقف والاتصالات في طرابلس، قبل أقل من 48 ساعة من موعد جلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية اليوم، وأعطت انطباعاً بأن حسابات «المرشح» سمير جعجع وتيار المستقبل، في ما يخصّ المدينة، هي قبض ريح.

حتى مساء أول من أمس كانت تساؤلات كثيرة تدور في عاصمة الشمال حول مواقف نواب المدينة من ترشح جعجع، وهل ينتخبونه أم لا، من غير أن تجد هذه التساؤلات إجابات شافية. ووفق الحسابات الأولية، كان محسوماً أن صوتَي النائبين أحمد كرامي ومحمد كبارة لن يذهبا إلى جعجع قطعاً، الأول لأسباب عائلية، إذ إن الرئيس الراحل رشيد كرامي هو ابن عمّه، والثاني لأنه كان الوحيد، بين نواب طرابلس والشمال الـ28، الذي عارض قانون العفو عن جعجع عام 2005.

موقف كبارة عاد وأكده في اتصال مع «الأخبار» أمس، إذ أوضح أنّ «من الطبيعي أن لا يتغير موقفي، فمن رفض العفو عن جعجع، فبالتأكيد لن ينتخبه رئيساً»، متحدثاً عن «حساسية طرابلسية في موضوع ترشح جعجع»، ومعتبراً «أننا ننظر إلى رشيد كرامي على أنه كان زعيم طرابلس، وكانت تربطنا به علاقة إخوة واحترام متبادل، والرجل له فضل كبير على طرابلس ولبنان».
لكن موقف كبارة الذي كان استثناءً في 2005، لن يكون كذلك هذه السنة. إذ لفت كبّارة إلى أن «نواب طرابلس سيشاركون في جلسة الانتخاب اليوم، لكن ستسبق ذلك لقاءات تنسيقية في ما بيننا، وسيكون لنا موقف موحد». هذا الموقف جرى التوافق عليه بين نصف نواب طرابلس بالمفرق، وبات تأكيده بالجملة تحصيل حاصل، سواء أحصل بينهم اليوم لقاء في مجلس النواب قبل جلسة الانتخاب، أم لم يحصل، فإلى جانب كرامي وكبارة، أكد الرئيس نجيب ميقاتي في بيان مشترك مع حليفه كرامي، «أننا سنقوم بواجبنا الدستوري، آخذين في الاعتبار خصوصية الواقع في مدينة طرابلس ومشاعر الطرابلسيين».
وعلى المنوال ذاته سار النائب محمد الصفدي الذي أكدت مصادره لـ«الأخبار» أنه «سيقوم بما يمليه عليه ضميره في هذا المجال»، كاشفة أنه «سيشارك في جلسة الانتخاب اليوم، انطلاقاً من قيامه بواجبه الدستوري».
في ضوء هذه المعطيات، يتبيّن أن أربعة نواب من أصل النواب السّنة الخمسة في طرابلس لن يصوّتوا لجعجع، فيما يغرّد عضو كتلة المستقبل النائب سمير الجسر منفرداً خارج سرب نواب مدينته.
إزاء ذلك، تساءلت مصادر سياسية: «هل يلتزم الجسر قرار كتلته ويصوت لجعجع، وخصوصاً أنه كان حاضراً في لقاء وفد كتلته برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة، أول من أمس، مع وفد كتلة القوات اللبنانية، أم يتراجع لأنه لا يستطيع أن «يحملها» وحده من بين نوابها السّنة؟».
هذه التطورات كانت تجري تحت «ضغط» الشارع الطرابلسي، الذي تحرّك مساء أول من أمس بعفوية، إذ ارتفعت لافتات في أنحاء عدة في طرابلس والميناء، حملت عبارات «لا لانتخاب قاتل رشيد كرامي رئيساً للجمهورية»، و«لا لانتخاب القاتل والعميل رئيساً للجمهورية»، و«مكانك رومية وليس بعبدا»، و«يا للعار، نواب وفعاليات يؤيدون ترشح قاتل رشيد كرامي للرئاسة».
مصدر مقرب من ميقاتي علّق على الغليان الشعبي الذي تشهده مدينة طرابلس، بأن «دماء رشيد كرامي ستطيح جعجع وتيار المستقبل في طرابلس». ولم يستبعد تصويت نواب الكتلة الوسطية للنائب هنري حلو الذي رشحه أمس النائب وليد جنبلاط، «من باب تسليف المواقف السياسية من أجل المرحلة المقبلة».
إلى ذلك، رأى توفيق سلطان، إحدى فاعليات طرابلس الذي تربطه علاقة وثيقة بعائلة الحريري، أن ترشح جعجع «استخفاف بكرامة طرابلس واستلشاق بدم شهيدها الرئيس الشهيد رشيد كرامي»، داعياً نواب المدينة إلى أن «يحافظوا على كرامة مدينتهم». سلطان قال لـ«الأخبار» إن «أخطر ما في ترشيح جعجع، ليس فوزه بالانتخابات، وهذا أمر مستبعد كليّاً، بل لأن ترشحه هو بمثابة عفو ثانٍ عنه».
وكان التحرك الشعبي الأبرز على الأرض في طرابلس أمس، تجمّعاً شعبياً كبيراً في ساحة عبد الحميد كرامي، (تخلله إشكال مع عمال بلدية طرابلس الذين حاولوا إزالة لافتات منددة بترشيح جعجع رفعت في الساحة)، شارك فيه ممثلون عن تيارات سياسية عدة في طرابلس، عبّر عن رفضه الشديد لترشح جعجع. وتوجه الحشد بعدها إلى مقبرة باب الرمل حيث تلا الفاتحة على ضريح الرئيس رشيد كرامي.