على طريقة الأفلام البوليسية، قرّر النائب العام المالي القاضي علي إبراهيم سوق أكثر من 10 أشخاص ممن لديهم مستوعبات عالقة في المرفأ منذ سنوات، الى مركز تحرّي بيروت، حيث أُجبروا على توقيع تعهد بالدفع لقاء تلف بضاعتهم ونُفّذ بحقهم قرار منع سفر وكأنهم مطلوبون بقضايا قتل أو إرهاب أو فساد أو عمالة.

هذه المستوعبات، وعددها نحو 50، هي نفسها التي قيل إنها تحتوي على مواد كيميائية، وإن شركة «كومبي ليفت» الألمانية قبلت (فرضت على إدارة المرفأ عقداً بالتراضي) بشحنها الى الخارج وإتلافها مقابل مليوني دولار. ويوم أمس، أصدر ابراهيم قراراً «ألزم فيه أصحاب المستودعات التي كانت موجودة في مرفأ بيروت وتحتوي على مواد خطرة؛ منها سوائل قابلة للاشتعال وغازات سامة ومواد صلبة ومتفجرات منزوعة الحساسية كانت قد شحنت من قبل «كومبي ليفت» بسداد كامل المبلغ الذي دفعته الدولة اللبنانية، وهو يناهز مليوني دولار أميركي تحت طائلة التوقيف في حال التخلّف عن الدفع وذلك خلال مدة أسبوع»!
أراد إبراهيم، بإجراء ترهيبي، توفير مليونَي دولار على الدولة وإلزام أصحاب المستوعبات بدفعها. فعمد الى استدعاء مواطنين عُزّل ومعاملتهم كمجرمين، خلافاً للقانون، في حين أن أصحاب الثروات المتراكمة من أموال الناس وودائعهم ومن تعمّدوا سرقة المال العام يستدعيهم النائب المالي، باحترام، الى «فنجان قهوة»، ويودّعهم بنفسه على باب المكتب. الفضيحة تتمثل في أن «مسرحية» ترحيل المواد الكيميائية لم تكن سوى «تنفيعة» للشركة الألمانية وبعض المسؤولين اللبنانيين، علماً بأن المستوعب العائد لأحد المستدعين يحتوي على شامبو للاستحمام وصابون، فيما يحتوي مستوعب ثان على «فو بيجو» ومستحضرات تجميل، ويحتوي مستوعب ثالث على تلفزيونات وآلات طباعة... وهكذا. هؤلاء جميعاً، تم الاتصال بهم من قبل مركز تحرّي بيروت للحضور بشكل مستعجل مرتين. هناك أُغلق عليهم الباب، وتم ترهيبهم عبر إبلاغهم بأن ثمة أوامر من القاضي إبراهيم بالتوقيع والدفع تحت طائلة عدم الخروج من المركز. ومن لن يوقّع «حبيّاً» سيوقّع «بالقوة». أحد المستدعين أُبلغ بأن المبلغ المتوجب عليه دفعه هو مليون ونصف مليون دولار. ورغم أنه يتماثل للشفاء من «كورونا» ويعاني صعوبة في التنفس، واستُدعيت سيارة إسعاف لمعالجته، أصر المحقق على عدم إخلائه قبل التوقيع!

اللافت أن ما يفرض إبراهيم على أصحاب المستوعبات دفعه يتجاوز قيمة الشحن والإتلاف


أحد المستدعين، يوسف أبو عبيد، يؤكد أنه كان قد استقدم ثلاثة مستوعبات من الأسيد كلوريدريك قبل نحو 5 أعوام وحصل على موافقة وزارات العمل والاقتصاد والداخلية والجيش، لكن المعاملات أُوقفت لرفض وزير الصحة آنذاك وائل أبو فاعور إدخالها. وبعد أشهر، تبلّغ من الجمارك أن المستوعبات الثلاثة ستباع في المزاد العلني، ليفاجأ باتصال من الجمارك نفسها، بعد انفجار المرفأ بأشهر، تطلب منه إخراج البضاعة أو إتلافها على مسؤوليته ومع تحميله الكلفة. وعندما أنهى كل الإجراءات لإخراجها، بما فيها موافقة الجيش والحصول على بيان جمركي مؤقت ودفع رسم الكشف، ولدى مراجعته المعنيين، أُعلم بأن البضاعة غير موجودة داخل المستوعب وطُلب منه مراجعة شركة الشحن، ثم أُبلغ من الجيش بأن البضاعة أُعدّت للتلف وسُلّمت الى «كومبي ليفت»، فتقدّم بربط نزاع لدى مجلس الشورى. لكن كل هذه المستندات لم تعن إبراهيم. إذ أبلغ المحقق أبو عبيد بأن عليه أن يدفع بين 180 ألفاً و240 ألف دولار فريش، كما أمر القاضي إبراهيم ليعود ويقبل بشيك لأمر النيابة العامة المالية. وقّع أبو عبيد «مكرهاً»، وأضاف هذه الكلمة بالقرب من توقيعه، رغم أن بضاعته كلها لا يساوي سعرها أكثر من 36 ألف يورو، ورغم أن الأسيد كلوريدريك مادة تستهلكها شركة كهرباء لبنان بكميات مرتفعة سنوياً وكان يمكن وهبها إياها أو تلفها بواسطة مواد أخرى لتصبح مجرد ماء وملح وبكلفة لا تتعدى 4 آلاف دولار. حاول الاعتراض، فأجابه المحقق بأن «لا قانون هنا سوى الذي يريده الريّس». سُطّر بحقه منع سفر، وقيل له بأن يأتي بالمال الى المركز، فالقضية لن تذهب الى المحكمة.
فيكين كازاكيان، وهو أيضاً صاحب مستوعب للأسيد كلوريدريك الذي تحوّل الى ماء بعد 7 سنوات ولم يبق من الكمية إلا نحو 20 في المئة منها نتيجة تضرر المستوعب بفعل الانفجار. على المنوال نفسه، يملك فيكين ما يثبت بأن الجمارك أبلغته بأن مستوعبه وُضع في المزاد العلني، لكنه وقّع بالإكراه، وقيل له إنه سيتم الاتصال به لتحديد المبلغ المتوجب عليه.
وإذا كانت مستوعبات هؤلاء تحتوي على مواد تصنّف «خطرة»، فإن آخرين لا تمتّ بضائعهم الى الخطورة بصلة. صاحبة مستوعب يحتوي على تلفزيونات وآلات طباعة تعرّضت لما يشبه «الابتزاز»، إذ أبلغها المحقق أنه لن يتم تكبيدها أي مبلغ شرط التوقيع على تنازل عن بضاعتها «كهبة لصالح الجيش اللبناني». فيصل كرامي (وهو ليس نائب طرابلس)، وهو أيضاً صاحب مستوعب يحتوي على شامبو وصابون لليدين، أبرز للمحقق مستندات تثبت أن بضاعته لا تمت الى المواد المتفجرة والمشتعلة بصلة، فلم ينجح. قرار القاضي ابراهيم واضح: وقِّع وادفع وإلا لن تخرج. لخالد الكردي قصة أخرى. طالبه القاضي ابراهيم بمبلغ يوازي 330 ألف دولار، في حين أن بضاعته كلها لا تتجاوز قيمتها 60 ألف دولار، وهي عبارة عن نفط للدهان. وقد سبق للجمارك أن أبلغت الكردي أن بضاعته وُضعت للبيع في المزاد العلني ليتبين أنها لا تزال متروكة في المرفأ، علماً بأنه لم يسمح له بإخراجها بعدما ربطت شركة الشحن مصير أربعة مستوعبات (من بينها مستوعبه) بمصير مستوعب واحد لم يكن يستوفي الشروط. واليوم، بعدما خسر الكردي ماله ومصنعه وبات موظفاً، يريد منه النائب العام المالي أن يدفع 330 ألف دولار بدلاً من محاسبة الجمارك على هذا الخطأ.
واللافت في التصرف المافيوي الذي نُفّذ بحق هؤلاء أن القاضي إبراهيم يطلب أموالاً تفوق ما تطلبه شركة «كومبي ليفت». فلمصلحة من سيذهب هذا الفائض؟ ومن يحاسب القاضي إبراهيم على ترهيب مواطنين وإجبارهم على التوقيع مكرهين تحت وطأة التهديد باستخدام القوة والسجن؟
«الأخبار» اتصلت بالقاضي إبراهيم لسؤاله عمّا دفعه للقيام بإجراء مماثل فيه ووفق أيّ نص قانوني تمّ سوق الأشخاص الى مركز التحرّي، فأجاب الأخير صارخاً: «شو عم تستجوبيني إنتِ... روحوا بلطوا البحر كلكن سوا»... وأغلق الخط!

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا