قبل خمسة أشهر، بالتزامن مع وصول ناقلات النفط الإيرانية إلى مرفأ بانياس تمهيداً لنقل حزب الله المازوت الإيراني إلى لبنان، أبلغت السفيرة الأميركية دوروثي شيا رئيس الجمهورية ميشال عون قرار الإدارة الأميركية إعادة تفعيل اتفاقية استجرار الغاز من مصر إلى لبنان عبر سوريا. مذذاك كثرت التصريحات اللبنانية والسورية والمصرية والأردنية والأميركية حول قرب توقيع الاتفاقية من دون أي تقدّم ملموس.

وكان الجانب المصري أبدى حذراً شديداً حيال المشروع وأبلغت القاهرة الجانبين اللبناني والأميركي إصرارها على الحصول على ضمانات أميركية وليس الاكتفاء بـ«رسالة تطمين» (comfort letter)، خشية أي انعكاسات سلبية على مشاريع الغاز المصرية.
كما نبّه المدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان كمال الحايك، قبل أسابيع، إلى عدم وجود إعفاء أميركي واضح للبنان من أي عقوبات محتملة في حال الاتفاق مع مصر والأردن على جر الغاز والكهرباء عبر سوريا. وأبلغ هذه الهواجس إلى رئاسة الحكومة ووزير الطاقة وليد فياض، وإلى السفيرة الأميركية التي أجابت بأنها تضمن «رسالة تطمين لا أكثر». غياب الضمانات الأميركية أدى إلى فرملة اندفاعة المصريين وتجميدهم للخطوات التي كانوا قد باشروا اتخاذها لتنفيذ المشروع الذي كان يفترض أن يزيد ساعات التغذية بدءاً من مطلع هذه السنة.
لقاءات وزير الخارجية اللبناني عبدالله بوحبيب في واشنطن هذا الأسبوع أظهرت أن تردّد القاهرة لم يجر تبديده بعد من أن تطاولها مفاعيل «قانون قيصر» الذي تفرض الإدارة الأميركية بموجبه عقوبات على كل من يتعامل مع الحكومة السورية. كما أنها غير مطمئنة إلى «رسالة التطمين» التي نقلها إليها باليد الموفد الأميركي عاموس هوكشتين حول استثنائها من العقوبات.
هذا الموضوع كان على أجندة النقاشات التي أجراها بوحبيب مع مسؤولين في مجلس الأمن القومي الأميركي ووزارة الخارجية. وبحسب المصادر، أبلغ بوحبيب منسق مجلس الأمن القومي الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بريت ماكغورك، «أن مصر لم تتجاوب بعد تلقيها رسالة التطمين الصادرة عن وزارة الخزانة حرصاً منها على عدم المخاطرة بخسارة دورها كمحور لتصدير الغاز (hub)»، وأن «ثمة تخوفاً مصرياً من أي عقوبات أميركية تؤدي إلى شلل هذا القطاع الحيوي لاقتصادها. لذلك، تريد ضمانة أميركية أكيدة تتخطى رسالة الطمأنة»، لافتاً إلى أن المصريين «مستعدون لوجستياً لتمرير الغاز وإيصاله فوراً، والأمر نفسه من جهة الأردن». إلا أن ماكغورك أصرّ إلى إعادة التذكير برسائل التطمين) التي أرسلتها الخزانة الأميركية إلى كل من مصر والأردن، مشيراً إلى أن هوكشتين سيتواصل قريباً مع رئيس مجلس الوزراء المصري ومؤكداً أن إدارته أبلغت البنك الدولي بدعمها لاتفاق استقدام الطاقة واعتباره استراتيجياً. وهو لا يرى أي عقوبات مستقبلية قد تفرض على أي من هذه الدول.

البنك الدولي يشترط رفع التعرفة وشيا لم تسلّم ميقاتي موافقة تامة


غير أن زيارة شيّا لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي، أمس، أظهرت أن الولايات المتحدة لا تزال بحاجة إلى استيضاحات من الدولة اللبنانية ومؤسسة كهرباء لبنان لم تحصل عليها بعد. وعلمت «الأخبار» أن الكتاب الذي سلمته شيا إلى ميقاتي لم يتضمن موافقة أميركية على منح لبنان استثناء من مفاعيل «قانون قيصر»، بل طُلب إلى لبنان، أو بالأحرى مؤسسة كهرباء لبنان، الإجابة عن أسئلة توضيحية تعنى بكل تفاصيل الاتفاقية من أسماء الشركات التي سيتم التعاون معها إلى عقود الصيانة إلى كل تفصيل يتعلق بعملية وصول الغاز إلى لبنان. وعلى ضوء هذه المعلومات، ستبني الإدارة الأميركية موقفها حول منح لبنان موافقة واضحة في هذا الصدد.
في السياق نفسه، قالت مصادر وزارة الطاقة إن «رسائل التطمين التي أرسلها الأميركيون إلى مصر ليست كافية للسلطات المصرية التي تسعى للتأكد بشكل تام من كل ما يتعلق بهذه العملية التي يتطلب إنجازها مراحل مختلفة». ولفتت إلى أن السلطات المصرية «تلقّت رسالة تطمين، لكن الاتفاق النهائي فيه كثير من التفاصيل يفترض تحديدها، وأن يعرض الأمر على الأميركيين لمنح الجانب المصري التطمينات أو الاستثناءات التي يطلبها لمباشرة العمل». وحالياً، يعمل وزير الطاقة وليد فياض على إنجاز الاتفاق النهائي الذي يتطلب البتّ بأمور أساسية من ضمنها طبيعة الاتفاق بين لبنان ومصر عبر سوريا. إذ إن الغاز المصري سيأتي إلى سوريا، ومن نقطة مختلفة من سوريا سيتم ضخّ غاز سوري بديل إلى لبنان، ما يثير تساؤلاً أساسياً: هل يشتري لبنان الغاز من سوريا أم من مصر؟ ومن المسؤول عن وصول الكميات إلى لبنان؟ هذه الأسئلة وغيرها جرى حسمها في الأيام الأخيرة بأن تكون المسؤولية بين مصر ولبنان مباشرة، فيما يتم العمل على إنهاء بعض النقاط العالقة في الاتفاق الذي يضم أيضاً طرفاً إضافياً هو البنك الدولي الذي سيموّل كلفة شراء الغاز. على أن يعرض الاتفاق النهائي على الولايات المتحدة للاستحصال على استثناء نهائي من عقوبات قيصر تخص الجانب المصري تحديداً.
وبحسب مصادر وزارية لبنانية، فإن أي تقدم نحو توقيع اتفاق بالأحرف الأولى على اتفاق مع مصر، تزوّد بموجبه لبنان بـ650 مليون مكعب من الغاز سنوياً لمدة 18 عاماً بتمويل من البنك الدولي في العامين الأولين، مرهون بشرطين:
الأول، أن يتفق لبنان مع مصر على شراء كمية من الغاز تضمن القاهرة وصولها إلى لبنان، ولا أن تترك أمر التبادل مع الغاز السوري لمفاوضات لبنانية – سورية. وهي عملية تفرض على الجانب المصري عقد اتفاقية واضحة مع السوريين لضمان الكمية والنوعية وآلية إيصال الغاز إلى النقطة اللبنانية المحددة في دير عمار في الشمال.
الثاني، أن يباشر لبنان استعداداته لتلبية شروط البنك الدولي الذي يفترض به توفير التمويل لهذه العملية، ولصفقة شراء الكهرباء الأردنية عبر سوريا.
ويبدو واضحاً أن لدى البنك الدولي شروطاً أساسها إقرار الحكومة اللبنانية خطوات عدة في قطاع الطاقة والكهرباء ورفع سعر التعرفة لضمان تسديد لبنان الديون المتوجبة عليه ولو لاحقاً.
وفي هذا المجال، لفت مصدر وزاري إلى «أن المسؤولين لا يشرحون للبنانيين أن الكهرباء المفترض توفيرها، سواء عبر الفيول العراقي أو الغاز المصري أو الكهرباء الأردنية، ستكون مقابل مبالغ مالية كبيرة، وأن تأمينها لا يتم من خلال الديون فقط، بل من خلال إعادة تنظيم أسعار الكهرباء في لبنان». وأوضح أن لبنان ملزم بسداد 500 مليون دولار للعراق ثمناً للفيول الذي يوفر 3 ساعات تغذية، وسيكون عليه سداد نحو 250 مليون دولار ثمناً للغاز المصري الذي يفترض أن يوفر 4 ساعات تغذية، ونحو مئة مليون دولار للأردن بدل ساعتي تغذية في اليوم. ما يعني أن على لبنان توفير نحو 850 مليون دولار بدل أقل من عشر ساعات تغذية يومياً. وهذه إذا ما أضيفت إلى حاجات مؤسسة كهرباء لبنان لتحديث الشبكة والتشغيل، فإننا نتحدث عن مليار دولار سنوياً». لذلك، وفقاً للمصدر نفسه، يدور نقاش حالياً بين رئيس الحكومة ووزيري الطاقة والمالية للبت في مشروع موازنة وزارة الطاقة وحاجات مؤسسة كهرباء لبنان، من أجل إدراج هذه الأرقام في موازنة 2022.