ببيان مقتضب ومعبّر عن موقف صندوق النقد الدولي من خطّة التعافي التي ناقشها مع اللجنة المكلّفة من الحكومة اللبنانية، أشار رئيس البعثة راميريز ريغو إلى أنه يجب معالجة الحجم غير المسبوق لخسائر القطاع المالي «بشفافية، وبما يتفق مع التسلسل الهرمي للمطالبات». هذه العبارة كافية للقول إن الخطّة فاشلة ويجب دفنها لأنها لا تنسجم مع منهجية الصندوق لتوزيع الخسائر. وبرّر ريغو ما قاله بالإشارة إلى ما يجب أن تتضمّنه الخطّة من إعادة هيكلة للقطاع المالي ونظام نقدي ونظام سعر صرف موثوق به. بمعنى أوضح، أن الخطّة لم تكن فيها شفافية ولا إعادة هيكلة ولا نظام سعر صرف موثوق.

جاء بيان ريغو بعد الجلسة الختامية أمس بين بعثة الصندوق واللجنة اللبنانية المكلفة، لينهي جولة ممّا سمّاه «مناقشات» (وليس مفاوضات) افتراضية، امتدّت من 24 كانون الثاني لغاية 11 شباط 2022 مع السلطات اللبنانية حول إطار وسياسات برنامج الإصلاح الاقتصادي، لافتاً إلى أن التواصل مع الحكومة اللبنانية مستمرّ «لمساعدة السلطات على صياغة برنامج إصلاح يمكنه معالجة التحديات الاقتصادية والمالية في لبنان».
عملياً، بيان ريغو أدّى مراسم الدفن لخطّة الحكومة بالصيغة التي نوقشت فيها، أي بالصيغة التي تتضمن توزيعاً للخسائر يتنافى مع منهجية الصندوق القائمة على ما سمّاه ريغو «التسلسل الهرمي للمطالبات»، أو ما يعرف بالتسلسل الهرمي لتوزيع الخسائر، خلافاً لما تضمنته الخطة من «ليلرة» للودائع بقيمة 695 ألف مليار ليرة ومخاطر تضخمية مرتفعة جداً تمتد على 15 سنة. فبحسب الخطّة، سيتم مسح 9 مليارات دولار من رساميل المصارف بعد تحويل الجزء المقيم بالليرة إلى دولار على سعر صرف 20 ألف ليرة (الرساميل بالليرة 15 ألف مليار ليرة تصبح 0.75 مليار دولار، والباقي بالدولار يبلغ 9 مليارات دولار ويبقى كذلك)، إلا أنها إلى جانب ما تضمنته لجهة تحويل الودائع إلى الليرة بأسعار صرف متعدّدة بما ينتج من ذلك من مخاطر تضخمية، تتضمن أيضاً «هيركات» على ودائع الزبائن بالدولار لخفضها من 104 مليارات دولار إلى 35 مليار دولار عبر عمليات مختلفة؛ منها خفض القيمة الاسمية من خلال سعر الصرف، ومن خلال تحويل قسم منها إلى أسهم في المصارف.

الخطّة يجب أن تتضمّن نظاماً نقدياً وسعر صرف موثوقاً


على أي حال، يشير ريغو في البيان الختامي إلى وجوب أن يتضمن البرنامج الاقتصادي اللبناني إجراءات مستهدفة ومحددة زمنياً عبر الركائز الخمس الآتية:
ــــ الإصلاحات المالية التي تضمن القدرة على تحمّل الديون وأيضاً مساحة للاستثمار في الإنفاق الاجتماعي وجهود إعادة الإعمار.
ــــ إعادة هيكلة القطاع المالي لتقوية الثقة ودعم الانتعاش.
ــــ إصلاح المؤسّسات المملوكة للدولة، وخاصة قطاع الطاقة لتقديم خدمات أفضل من دون استنزاف الموارد العامة.
ــــ تعزيز أطر الحوكمة ومكافحة الفساد ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لتعزيز الشفافية والمساءلة.
ــــ نظام نقدي وسعر صرف موثوق.
وأشار إلى «إحراز تقدم في الاتفاق على مجالات الإصلاح الضرورية هذه، رغم الحاجة إلى مزيد من العمل لترجمتها إلى سياسات ملموسة. هناك فهم أوضح للحجم غير المسبوق لخسائر القطاع المالي التي يجب معالجتها بشفافية بما يتفق مع التسلسل الهرمي للمطالبات (تراتبية الخسائر) مع حماية صغار المودعين، على النحو المتوخّى بالفعل من قبل السلطات».
ولكن الصندوق وصف مشروع موازنة عام 2022 بأنها «موازنة طوارئ» تمثّل «فرصة للبدء في معالجة الوضع المالي الصعب مع مراعاة قيود التمويل»، أي أنها لا تمثّل سوى فرصة مقارنة مع الموازنة التي سبقتها إنما هي ليست موازنة قابلة للتعامل مع الأزمة. فالصندوق يشير إلى أهمية «وضع استراتيجية مالية متوسطة الأجل تسمح للحكومة بالاستثمار في الإنفاق الاجتماعي الضروري للغاية لدعم الشعب اللبناني ــــ وتمكين جهود إعادة الإعمار ــــ مع التوافق ومع القدرة على تحمّل الديون».
ومما جاء في البيان أن هناك «حاجة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة من قبل السلطات لمعالجة مشكلة الفساد العميقة الجذور وتعزيز الشفافية، بما في ذلك من خلال تسريع إطلاق لجنة المشتريات ورفع قانون السرية المصرفية أو تعديله بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية».