حتى ما قبل خطاب الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، مساء الخميس، كانت قيادات العدو، على المستويين الأمني والسياسي، لا تبدي جدّية في قراء تصريحات المسؤولين اللبنانيين حول وصول سفينة استخراج الغاز، اليونانية – البريطانية «إنيرجيان»، إلى حقل كاريش الواقع في المساحة البحرية بين جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلّة. لكن فور انتهاء خطاب نصر الله المسائي، بدأ المشهد في الكيان بالتبدّل، حيث تصاعدت التحذيرات من جدّية تهديدات حزب الله، بينما لجأ جيش العدو إلى اتخاذ إجراءات ميدانية احترازية، تحسّباً لوقوع هجوم مفاجئ.

وتوزّع المعلّقون والمحللون والخبراء في الكيان على رأيين بما يخصّ القضية؛ الأوّل يرى أنّ «حزب الله ليس في وارد الدخول في مواجهة واسعة مع إسرائيل بسبب الغاز، ولهذا أحال مفاوضات الحدود البحرية إلى الدولة اللبنانيّة»، ما يشير إلى أنّ المقاومة في لبنان دخلت «في حالة ترقّب، ولن يقع شيء حالياً»، نظراً إلى عدّة عوامل، أهمّها تدهور الأحوال الاقتصادية في لبنان، والأوضاع الإقليمية المتوتّرة، ومفاوضات فيينّا النووية التي لا ينقصها عوامل «تخريب». وهذا ما بدا واضحاً في ما وصفه الإسرائيليون بـ«الخطاب المعتدل للحزب»، بينما لا تثير تهديدات الدولة اللبنانية الرسمية قلقاً في المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية.
أمّا الرأي الثاني، فيرى أن من الواجب أخذ تهديدات حزب الله على محمل الجدّ، وأبرز أنصار هذا الرأي هو رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) السابق تامير هايمن، الذي يشغل منصب مدير «معهد أبحاث الأمن القومي» الإسرائيلي، إذ أكّد أنّه يأخذ تهديدات المقاومة اللبنانية بـ«جدّية»، رغم أنّ هذه التهديدات هي «بشكل أساسي موجّهة لحاجات سياسية داخلية» مرتبطة بالحزب.
لكن التحليلات التي انشغلت بها الأوساط الإعلامية والسياسية والأمنية الإسرائيلية، حول رد فعل حزب الله وموقفه المُرتقب، لم يعد لها محلّ بعد خطاب نصر الله الواضح والصريح، إذ كشفت قناة «كان»، أمس، أن المنظومة الأمنية الإسرائيلية «متخوّفة من الوصول إلى مواجهة عسكرية مع لبنان على خلفية أزمة ترسيم الحدود». ووفقاً للقناة العبرية، فإن «تهديدات نصر الله تؤدّي إلى تفاقم الأوضاع، ويبدو أن الأزمة مع لبنان حول موضوع الحدود البحرية بعد وصول الحفّارة إلى حقل كاريش قد تتحوّل إلى مواجهة عسكرية».

بحسب المعلومات الميدانية، نشر جيش العدوّ عدّة منظومات دفاع جوي في تل أبيب وحيفا


وكانت وسائل إعلام إسرائيلية أخرى قد أشارت، أمس، إلى أن «الجيش الإسرائيلي يستعدّ لرد من قبل حزب الله على نشاط منصة كاريش». كما أكّد موقع «واللا» العبري هذا السياق، مشيراً إلى أن «الجيش الإسرائيلي دخل في حالة تأهّب، وتحديداً في منطقة التنقيب، بعد خطاب نصر الله». كما أشار الموقع إلى أن «​الجيش​ استعد لمجموعة متنوعة من السيناريوات الأمنية بعد تشغيل منصة الاستخراج في المنطقة المتنازع عليها، لكن البعض يزعم أن الجاهزية غير كافية». وأوضح، نقلاً عن عسكريين إسرائيليين، أن «الجيش الإسرائيلي لم ينشر قوات كافية حول المنصّة، لأن الأمر معقّد للغاية ويتطلّب تفكيراً عسكرياً ودبلوماسياً». ولفت الموقع إلى أن «المسؤولين حذّروا من هجوم بطائرة بدون طيار، وهجوم إرهابي، وحتى إطلاق صواريخ على منصة ​كاريش»". وذكر «واللا» أنه «على الرغم من التحذير الواسع النطاق، بدأت انتقادات داخل الجيش الإسرائيلي حول مدى استعداد البحرية لسيناريوات أمنية محتملة». وبحسب المعلومات الميدانية، فقد نشر جيش العدو عدّة منظومات دفاع جوي في تل أبيب وحيفا، شمال فلسطين المحتلة، تزامناً مع تهديدات السيد نصر الله.
وبينما غابت التصريحات والتعليقات الرسمية على كلام نصر الله، انفرد وزير المالية في حكومة العدو أفيغدور ليبرمان، بالتعليق، قائلاً: «لن يُملي علينا أحد ما إذا كنّا سنستخرج الغاز من المياه الاقتصادية لإسرائيل أو لا»، مضيفاً إن «إسرائيل دولة ذات سيادة، وستواصل اتخاذ القرارات وفقاً لمصالحها فقط من دون اعتبار لتهديدات الإرهابيين أو غيرهم».
وفي هذا السياق، نشر «المركز اليروشالمي للشؤون العامة والدولة» مقالاً تحدّث فيه عن مخاوف الاحتلال الإسرائيلي من قيام إيران بهجومٍ انتقامي ضد العمليات التي قام بها «الموساد» الإسرائيلي عبر مهاجمة منشآت غازٍ طبيعي ونفط حيوية تابعة لـلاحتلال في البحر الأبيض المتوسط. وقال التقرير إن أحد المخاوف في إسرائيل هو أن «تستخدم إيران أحد وكلائها في شرق المتوسط من أجل إخراج هجومٍ انتقامي» إلى حيّز التنفيذ. وأشار إلى مشاورات جارية بين الكيان ومصر ربطاً بما سمّاه التقرير «معلوماتٍ استخبارية لديها عن خطط الكوماندوس البحري لحماس لضرب منصات غاز ومنشآت نفطٍ إسرائيلية في البحر الأبيض المتوسط بواسطة زوارق متفجرة أو صواريخ بحر – بحر. جهات أمنية كبيرة أوضحت للمصريين أنّ استهدافاً كهذا سيُلحق الضرر بتزويد الغاز الإسرائيلي لمصر وأوروبا ودول عربية إضافية».
وتزعم مصادر أمنية في إسرائيل أنّ الذراع العسكرية لـ«حماس» لديها زوارق سريعة قادرة على حمل متفجرات لغاية كمّية 50 كلغ موجّهة بواسطة أجهزة «جي بي أس»، وقادرة على تنفيذ هجماتٍ انتحارية دقيقة على أهدافٍ في قلب البحر، بالضبط مثلما يقوم الحوثيون في اليمن بهجماتٍ بزوارق ضد أهدافٍ سعودية. يمكن بسهولة تفعيل زوارق كهذه نحو منشآت غاز طبيعي لإسرائيل، حيث إنّ المسافة هي حوالي 20 كلم فقط من شاطئ قطاع غزة.
في موازاة ذلك، تستمر الدعاية الإعلامية الموجّهة في إسرائيل، بالحديث حول القدرات الاستثنائية لدى جيش العدو لحماية منصّات الغاز البحرية. وبعد الحديث عن أجهزة الاستشعار البحرية الفائقة الحساسية قبل أيام، كشفت شركة SpearUAV الإسرائيلية التي تعمل على تطوير الحوّامات والطائرات المسيّرة، النقاب هذا الأسبوع عن الحوّامة الجوالةNinox 103 Sub-to-Air. وعبر هذه الحوّامة الجديدة، «سيتوفّر للغواصات البحرية وعي فوري بالحالة خلف خط الرؤية أو خارجه (...) وهي تعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي»، بحسب الشركة.