الخجلون من مطالبة الجيش بشنّ حرب واسعة ضد المسلحين في عرسال، ومناطق أخرى من لبنان، يعرفون تماماً أن واقع الجيش، اليوم، لا يسمح له حتى بخوض معركة موضعية، سواء في عرسال نفسها، أو في جردها، أو في مناطق أخرى. الأمر، بكل بساطة، أن قدرات الجيش الأمنية والقتالية لا تتيح له خوض معركة ناجحة من دون إسناد ودعم. وكل لبنان يعرف أن هذا الدعم غير ممكن، اليوم، إلا من جانب الجيش السوري أو قوات حزب الله. وكل كلام آخر هو «تعفيس بتعفيس»، على ما يقال، إلا إذا قرر الجيش الاميركي أو الجيش الفرنسي المجيء الى هنا لخوض هذه الحرب، وهو ما لن يحصل تحت أي ظرف.


المسألة، هنا، تتعلق بغياب القرار السياسي الجامع. ففريق 14 آذار، وعلى رأسه تيار المستقبل، يرفض أي عملية عسكرية تحقق نتائج تصب في مصلحة سوريا وحزب الله. أكثر من ذلك، صار من الضروري القول، صراحة، إن هذا الفريق يريد أن يقدّم الاغاني للجيش، ولا يريد لهذا الجيش أن يخوض معركة تعزّز موقعه في الأزمة الداخلية. والسبب الواضح، من دون مواربة، هو أن الفريق المسيحي في 14 آذار يعتبر الجيش خاضعاً لوصاية روحية من جانب العماد ميشال عون وتياره، وأن فريق المستقبل يرى أن الجيش الذي لم يكن يوماً جيشاً للسنّة، هو اليوم جيش للشيعة.

يرفض فريق 14 آذار عملية عسكرية
تحقق أهداف سوريا وحزب الله


أما الوجه العملي للأزمة فيتصل بأن الوضع المهني للجيش صعب للغاية. عديده موزع على جملة مهمات متنوعة تخص الجيوش الكلاسيكية. ومع أنه لم يكلف يوماً بمهمة مواجهة جيوش أخرى ، لا جيش العدو ولا الجيش السوري، وأن غالبية مهماته محصورة داخل الاراضي اللبنانية وفي مواجهة مجموعات وميليشيات، إلا أنه لم يدخل أي تعديل جدي، سوى فرق التدخل التي لا يمكن اعتبارها قوة حاسمة يمكنها فرض موازين قوى مختلفة. وبالتالي، فإن العديد المقاتل في الجيش اليوم لا يسمح له بخوض معركة قاسية وحاسمة، تفترض انتقال قوة كبيرة الى جبهة عرسال، وتفترض انتشار قوة إسناد وحماية في أكثر من منطقة فيها من يدعم المسلحين في عرسال.
أضف الى ذلك أن البنية الأمنية للجيش ليست متطورة أو قوية بما يتناسب والتطور الكبير الذي طرأ على عمل المجموعات المناهضة له. وهذا الكلام ليس هدفه حملة على مدير الاستخبارات في الجيش، كما ظن بعض الضباط، بل هو تعبير عن واقع أليم. وبالتالي، فإن أي معركة مع مجموعات مسلحة تتطلب عملاً استخبارياً نوعياً وليس عادياً.
وهناك أيضاً التجهيزات التي يحتاج إليها الجيش، من تلك التي تؤمن سرعة انتقال القوى المقاتلة، الى عمليات الإسناد بالصواريخ الحديثة والمدفعية وغزارة النيران، وصولاً الى الحاجات المتعلقة بعمليات الاقتحام، فكيف والمواجهة تفترض الدخول الى جرود وأودية ومغاور؟
كل ذلك يجعل الحديث عن انتظار الجيش للمبادرة الى معركة حاسمة على الارض في وجه خاطفي عسكرييه هو إما للنكاية، وإما لرفع الصوت في وجه السلطة السياسية لتحسم خيارها في شأن كيفية دعم الجيش وإيصاله الى وضع يمكنه من مواجهة أخطار كالتي يواجهها اليوم.
وحتى اكتمال مشهد من هذا النوع، وهو أمر لا مقدمات له مع الأسف، فإن الحديث المنطقي الوحيد هو أن على القيادة السياسية، ومعها القيادة العسكرية، أن تقرر، إما مقايضة مع المسلحين تعني فتح الباب أمام تشريع واقع سيدمّر ما تبقّى من هيبة الدولة ومؤسساتها العسكرية والامنية والقضائية، أو الذهاب الى توفير عناصر داعمة لمعركة أمنية وعسكرية ناجحة ضد المسلحين. وفي الحالة الاخيرة، يجب القول، صراحة، وبلا مداراة أو مراعاة، إن الأمر يتطلب تعديلاً جوهرياً في الموقف من التعاون مع سوريا. وإذا كان خصم لبنان وجيشه اليوم في منطقة القلمون، هو نفسه خصم الجيش السوري، فمن المنطقي التوجه صوب آلية تنسيق تتيح للجيش القيام بعملية عسكرية، بغطاء ودعم من الجيش السوري، وهو أمر ممكن ومتوافر طوال الوقت..
الخيار الآخر يتعلق بالتعاون مع حزب الله. صحيح أن في الخطوة ما يعني إقراراً من الدولة بمشروعية سلاح المقاومة ضد عدو آخر غير إسرائيل، لكن إذا كان بين السياسيين اليوم من يصرّ على اعتبار «داعش» و«النصرة» وجهين يطابقان وجه «حزب الله»، فما على أصحاب هذه النظرية إلا تقديم الحل. وإذا كانت حيلتهم الوحيدة هي القول بانسحاب حزب الله من سوريا، فهذا ليس طيشاً سياسياً فحسب، بل هو إعلان بالانضمام الى جبهة المجموعات المسلحة.
عدا ذلك، فإن الدولة عندنا تطلب من الناس البحث عن خيارات خاصة لتحصيل حقوقهم من المجموعات المسلحة. وفي هذه الحال، كلنا يعرف الى أين تقود هذه الخيارات.