يُصرّ القاضي صقر صقر على الظهور في دور «البطل». كذلك تفعل «شعبة المعلومات» في قوى الأمن الداخلي. يعرض الطرفان عضلاتهما على ثلاثة موقوفين، لم تُثبت التحقيقات علاقتهم بالتفجيرين الإرهابيين اللذين استهدفا طرابلس ظهيرة يوم ٢٣ آب. قد يعود ذلك إلى الزهو بـ«الإنجاز» الذي قيل إنه «تحقّق بإلقاء القبض على المتورطين في الجريمة المزدوجة بسرعة قياسية»؛ إذ تمكّن عناصر «شعبة المعلومات» من توقيف المشتبه فيه الرئيسي خلال أقل من خمس ساعات على وقوع الجريمة.


وحفاظاً على هذا «الإنجاز»، وإمعاناً في الاستغلال السياسي، ادّعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية على الشيخ هاشم منقارة والشيخ أحمد الغريب ومصطفى حوري وكل من يظهره التحقيق، بموجب مواد اتهامية تندرج ضمن «الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي» و«الجرائم ذات الطابع الإرهابي الخطير». لقد أصرّ صقر على تضمين الادعاء اتهام الموقوفين الثلاثة بجرم «تشكيل خلية إرهابية ووضع عبوات وسيارات مفخخة وتفجيرها أمام المسجدين في الشمال»، علماً أن آخر الروايات الأمنية التي سُرّبت بشأن التحقيق جزمت بعدم علاقة الموقوفين بالتفجيرات التي استهدفت مسجدي السلام والتقوى. وتكشف المعلومات أنّ الثابت أنّ ضبّاطاً سوريين مرتبطين بعلاقة مع الشيخ أحمد الغريب طلبوا إليه مساعدتهم في جمع معلومات عن تحرّكات كل من الشيخ سالم الرافعي واللواء أشرف ريفي والنائبين خالد الضاهر ومصطفى علّوش، وأخبروه بأنهم بصدد تنفيذ عمليات تفجير تستهدف هذه الشخصيات، عارضين عليه التعاون معهم. وتشير المعلومات إلى أنّ الغريب أبدى موافقته في بادئ الأمر. قصد بعدها رئيس مجلس قيادة حركة التوحيد الشيخ هاشم منقارة ليُخبره بالأمر، فأشار عليه منقارة بضرورة الابتعاد عنهم ونسيان الموضوع. لا بل طلب منقارة إلى الغريب قطع العلاقة نهائياً مع الضباط الذين طلبوا منه ما طلبوه. وبالفعل، هكذا حصل؛ إذ اتّصل الغريب بعدها بأحدهم ليُبلغهم بأنه غيّر رأيه، طالباً عدم فتح الموضوع معه مرة أخرى. تختم المصادر: «انتهى الأمر عند هذا الحدّ». وفي هذا السياق، تُؤكد المصادر القضائية أنّه «لا وجود لأي معلومة تُثبت أنّ منفّذي التفجيرين الأخيرين هم الضبّاط السوريون أنفسهم الذين عرضوا مخططهم على الغريب، قاموا بعرضه على آخرين وافقوهم ومضوا فيه». وترى المصادر أنّه كان ينبغي للغريب ومنقارة إبلاغ الأجهزة الأمنية اللبنانية بهذا المخطط، ربّما كانت ذلك جنّب حصول التفجيرات، إذا كان الفاعل هو نفسه.
وتجدر الإشارة إلى أنّ القاضي صقر ادّعى على الموقوفين بتأليف عصابة مسلحة بقصد ارتكاب الجنايات على الناس والأموال والنيل من سلطة الدولة وهيبتها والتعرض لمؤسساتها المدنية والعسكرية وتشكيل خلية إرهابية ووضع عبوات وسيارات مفخخة وتفجيرها أمام المسجدين في الشمال، سنداً إلى المادة 335 من قانون العقوبات (من الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي) والمادتين 5 و 6 من قانون 11/1/1958 (الجرائم ذات الطابع الإرهابي الخطير).
وادعى صقر على النقيب السوري محمد علي وخضر العربان بجرم وضع سيارات مفخخة وقتل الناس سنداً إلى المواد 549 - 549/21 من قانون العقوبات.
كذلك ادعى صقر على الموقوف الشيخ هاشم منقارة بجرم عدم إخبار السلطات بالمعلومات عن الإعداد لتفجير السيارتين، سنداً إلى المادة 398 من قانون العقوبات وأحالهم على قاضي التحقيق العسكري الأول.
في المحصّلة، لا يزال المجرمون الذين نفّذوا تفجيري طرابلس وقتلوا عشرات المواطنين الأبرياء أحراراً. هؤلاء القتلة يتنقّلون بحرية. أسماؤهم لا تزال في الظلّ. وكذلك الجهة التي أرسلتهم. قد يكون الفاعلون ضبّاطاً في النظام السوري الذين حاول بعضهم إرسال متفجرات في السابق مع الوزير ميشال سماحة، لكن قد يكونون أيضاً أشخاصاً آخرين كالإسرئيلي مثلاً أو غيره. حرف الانظار في غير اتجاه، جريمةٌ أيضاً، تفوق في فظاعتها جرم موافقة الشيخ الغريب على الاشتراك في جريمة قبل أن تقع، ثم تراجعه من دون حصولها.