لم تقل الكنيسة المارونية إن النظام السوري حاجة مسيحية في سياق «تحالف الأقليات» في المنطقة. ولم تقل إنها «مع الحرية ولكن» أو «ضد القتل ولكن» كما يدعي كثيرون هنا وهناك لتبرئة ذمتهم تجاه الرأي العام من جهة، وتجاه حساباتهم السياسية من جهة أخرى. ولم تر أن ما حصل في مصر كان ثورة مباركة بينما هو احتجاجات مسلحة في سوريا.


ذهبت الكنيسة المارونية أبعد من كل هذه الأقاويل: لم تؤيد «الثورة» في بلد وتعارضها في بلد آخر، لم تربط موقفها مما يحصل في المنطقة بالتحالفات السياسية للأنظمة والأفرقاء اللبنانيين، ولم تطبّل للثورات وتزمر لثائرين انسجاماً مع النصرة المبدئية والأخلاقية والقيمية لحق الشعوب في تقرير مصيرها. «ما نعيشه اليوم هو شتاء العالم العربي لا ربيعه»، تقول الكنيسة. هي إذاً ضد ما حصل في مصر وتونس وليبيا تماماً كما هي ضد ما يحصل في سوريا. تكاد تكون الكنيسة المجموعة الوحيدة في العالم التي تقول هذا.
فَهمُ موقف الكنيسة يمر بفهم الموقف الماروني الآخر. وفي هذه اللحظة التاريخية يكاد يكون موقف «القوات اللبنانية» هو الموقف الأكثر وضوحاً في مناقضة الموقف الكنسيّ، الذي يعبّر عنه البطريرك بشارة الراعي. ففي لقائه أول من أمس مع الرؤساء والأعضاء في المجالس البلدية في قضاء بعبدا والمخاتير (الذي كان الحضور العونيّ فيه كبيراً) شنّ رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية هجوماً آخر على من يدّعون أن في سوريا ديموقراطية، موجهاً النقد تلو الآخر إلى مواقف الراعي من دون أن يسميه. وفي رأي القوات اللبنانية «لا يمكن الإنسان عموماً والمسيحي خصوصاً أن يكون ضد الربيع العربي». لماذا؟ يعدد مستشار جعجع العميد المتقاعد وهبي قاطيشا أكثر من أربعة أسباب لـ«حتمية تأييد الثورة». وتأخذ هذه الأسباب حقها في النقاشات التي تشهدها كل طاولة يجلس حولها اليوم مسيحيون، سواء أكانوا حزبيين أم مستقلين، روحيين أم علمانيين.
يقول قاطيشا إن المسيحيين ملزمون بتأييد الثورات، لأن المرء لا يمكنه «إلا أن يكون إلى جانب المطالبين بالحرية وبحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها». في المبدأ، لا أحد في النقاشات المسيحية المتنوعة يعارض قاطيشا القول. كل ما في الأمر أن هناك من يدعو إلى وضع ضوابط لأساليب المطالبة بهذين الحقين، وضوابط للحقين أنفسهما، التزاماً بنظرية «انتهاء حريتك عند حدود حرية غيرك». فيقول أحد المرشحين الشباب للانتخابات في دائرة كسروان إن المشكلة هي في بلوغ مشارف الحرب الأهلية بحجة الالتزام بتبني هذا الموقف المبدئي حتى النهاية. وهناك من يرى أن «الشعوب في بعض بلدان الثورات تختلف على مصيرها الذي تنوي تقريره». وفي غياب آلية ديموقراطية أو نزعة سلمية لحل النزاعات سيدفع التصفيق لحق الشعوب في تقرير مصيرها إلى تسريع اندفاعها نحو الاقتتال الداخلي. يقول أحد رهبان الكسليك الشباب إن الكنيسة ترى بعينين لا بعين واحدة، فتلحظ وجود فريقين في المنطقة يطالبان بحقهما في تقرير مصيرهما، لا فريق واحد كما يخيَّل إلى كثيرين. والمشكلة أن الفريقين لا يعترفان بوجود الآخر أو بحقه في «تقرير مصيره وممارسة تقاليده والتعبير عن أفكاره والتبشير بقيمه» بمعزل عن حجمه الانتخابي. وتقود هذه النقطة إلى التساؤل: أتكون الثورة بالتعبئة المذهبية أم من خلال إعادة الدين إلى الدولة، أم عبر الفتاوى واللجوء إلى السلاح ليأخذ الصراع منحى «عين بعين وسن بسن، والآتي أعظم»؟
ثاني مبررات قاطيشا لتأييد الربيع العربي هو «وجوب سقوط بعض الدكتاتوريات التي دمرت لبنان». تحظى هذه النقطة بتأييد كثيرين ممن يرون في الاحتجاجات السورية «مناسبة للانتقام من النظام الذي ألحق باللبنانيين خسائر كبيرة»، لكن لا يمكن التعويل على طلب الثأر كثيراً في صناعة الرأي العام، وخصوصاً أن تجربة ميشال عون و«بْراد» أثبتت أن المسيحيين عموماً لم يبالغوا في التوقف عند الأداء السيئ للسوريين (أو الناجح بالنسبة إلى النظام السوري) في إدارة شؤون اللبنانيين. وفي السياق نفسه، أثبتت صناديق اقتراع 2009 أن من عاب على عون التصالح مع النظام السوري أقل بكثير ممن عابوا عليه التفاهم مع حزب الله، ومجموع المجموعتين يبقى أقل عدداً بكثير ممن يعيبون على القوات اللبنانية التحالف مع تيار المستقبل، لا لشيء إلا لشعور هؤلاء بأن «رفيق الحريري السني» ــ لا النظام السوري ــ هو مَن صادر صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني.
يؤيد قاطيشا الثورات العربية، ثالثاً، لأن الأصولية السياسية الإسلامية كانت ملاذ المواطنين المسلمين الفارين من ظلم الدكتاتوريات، «في غياب الحرية». في جامعة الكسليك حيث يمضي عشرات الرهبان أيامهم باحتكاك مباشر مع الطلاب العلمانيين، وغالبيتهم مسيَّسون، يمكن لحظ التفاعل مع وجهة النظر هذه، التي يعدّ قاطيشا واحداً من المعبرين عنها. يقدم أحد الشباب تجربته مع البيئة الطرابلسية للقول لزملائه إن «الأصولية السنية» تنمو هناك في الأحياء الراقية أكثر بكثير وأسرع وأعمق من نموها في الأحياء الفقيرة، وبالتالي فإن ربط الأصولية بالفقر لم يعد بالتحليل الذكي. ربطها بالدكتاتوريات ليس بالتحليل الذكي أيضاً، يقول شاب آخر، عارضاً نمو «الأصوليات» بمختلف مذاهبها في بلدان الحرية والديموقراطية. في ظل معرفة كل من قرأ بعضاً من التاريخ أن نشوء جماعة الإخوان المسلمين، مثلاً، يسبق بأكثر من نصف قرن وصول الدكتاتوريات إلى الحكم. وبالتالي، لا يجوز الإيحاء للمجتمع بأن «التشدد الديني» سببه الدكتاتوريات وستزول هذه المشكلة بزوال الأنظمة الدكتاتورية. هنا لا تقدم «القوات» جواباً للسائلين عن الحل لهذه الأصوليات: «اتفقنا على أن قمع الأصولية ليس هو الحل، ما الحل إذاً؟». حتى الآن، لا جواب.
هو ربيع عربي لا شتاء، لأن معادلة حماية الأقلية بالخوف والتحالف مع الدكتاتورية هي «معادلة ساقطة»، يقول قاطيشا رابعاً من دون أن يشرح أين سقطت «معادلة حماية الدكتاتوريات للأقليات» وكيف، الأمر الذي يثير شكوكاً في رؤوس السامعين. ويضيف قاطيشا أخيراً ما يردده الكثير من اليساريين اليوم: «إذا تسلّمت الأصولية السلطة فستكون ملزمة بتطوير حياة شعوبها نحو الأفضل». وإذا فشلت في «احترام الحريات أو تطوير الاقتصاد فستتكفل الشعوب الحرة بإسقاطها». وتدعو «القوات» بذلك المسيحيين إلى الاطمئنان، قائلة ما مفاده: «جربوا الأصولية بعدما جربتم الدكتاتورية، وإذا لم تعجبكم فلكل حادث حديث». تأخذ هذه النقطة حيزاً كبيراً في النقاش اليومي. هناك شبه إجماع على أن الربيع العربي يعني وصول الإسلاميين إلى الحكم. أيكون الحل بمباركة وصولهم كما تفعل القوات، أم بالحث على قتلهم وسجنهم ونفيهم كما تفعل قوى أخرى؟ لا تنتمي الكنيسة ولا رهبانها إلى المجموعة الثانية، أبداً. هي ضد «الأصولية الإسلامية»، لكنّ ذلك لا يعني أبداً أنها «مع الدكتاتورية». هي ضد وصول الإسلاميين إلى السلطة، لكنها من دون شك ضد قتلهم لمنعهم من الوصول. يبدو هذا المنطق الأقرب إلى عموم المسيحيين ومن لا يرون في طرفي النزاع أحداً يشبههم فيزدادون نأياً بأنفسهم. ترى بكركي أن الصراع في مصر، مثلاً، كان بين الإخوان والسلفيين، أي بين المتشدد والأكثر تشدداً، لا بين الإسلاميين والمعتدلين. وهي لا تستطيع بالتالي مسايرة «القوات» وغيرها في الدعوة إلى تجريب الإسلاميين في الحكم بعدما جُرّب غيرهم. فالصرح يأخذ في حساباته مختلف جوانب الحياة لدى جماعته الاجتماعية والدينية والسياسية، وسيد الصرح مقتنع بأن أسس الثورة على نظام ما، لا تتوافر قبل ثلاثة عقود على قيامه. خلال هذه المدة وقبيل «انتفاض المسلمين على الحكم الإسلامي في حال فشله في إدارة شؤون البلاد»، لن يبقى مسيحي واحد ليخبر عن الرهانات الخاطئة.
تحتاج بطريركية إنطاكية وسائر المشرق إلى أجوبة واضحة بشأن موقع المسيحيين كجماعة سياسية واجتماعية لها تقاليدها وعاداتها وقيمها ونمط عيشها في عهد الربيع العربي، بعدما حددت لها الدكتاتوريات هذا الموقع. مبررات «القوات اللبنانية» لتأييد الربيع العربي غير كافية لمجموعة تبحث عند كل منعطف إقليمي في وجودها لا في نفوذها. الأكيد أن الأجوبة التي عجز الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عن تقديمها إلى البطريرك الماروني في أيلول الماضي، ووزير خارجية تركيا داوود أوغلو قبل نحو شهرين، لا توفرها تطمينات الشيخ أحمد الأسير ولا رئيس الحكومة السابق سعد الحريري.




جعجع والراعي

ردّ رئيس الهيئة التنفيذيّة في القوات اللبنانيّة سمير جعجع على البطريرك بشارة الراعي من دون أن يُسميه، إذ انتقد قول البعض «لسنا مع ربيع العنف والدمار والقتل، تعليقاً على ما يحصل في سوريا»، فقال: «على هذا البعض أن يتكلم مع النظام في سوريا ليوقف هذا الدمار والعنف هناك، وليترك الحركة الشعبية كما هي»، كما رد على من يقول «إذا سقط هذا النظام فماذا سيحل بالمسيحيين؟»، متسائلاً إذا «بقي هذا النظام فماذا سيحل بالمسيحيين؟ فهم يعيشون بدون حرية ولا كرامة ولا تنظيم أحزاب ولا مسؤولين سياسيّين».