خيار الحسم العسكري الذي اتخذه الرئيس السوري بشار الأسد في مواجهة من يعدّهم النظام عملاء للخارج لجأوا إلى السلاح، سيكون له أثره الكبير على الحركة الاحتجاجية التي يقوم بها مواطنون يريدون تحقيق إصلاحات واسعة في البلاد. وبينما يراهن فريق من أهل الحكم في دمشق على نتائج إجمالية توقف الحركة الاحتجاجية، فإن في دائرة الأسد من يشير إلى أن برنامج الإصلاحات لن يكون قابلاً للحياة في ظل التوتر أو غياب الاستقرار، وخصوصاً أن لدى الحكومة السورية ما يكفي من الأدلة السياسية والأمنية والعملانية التي تشير إلى تجاوز الوضع مستوى احتجاجات مطلبية لجماهير إلى مستوى التدخل الخارجي.


من بين الأدلة السياسية، يشير المقرّبون إلى آخر جولة من الاتصالات التي جرت بين القيادة السورية وعدد من الموفدين العرب والإقليميين البارزين. يجري الحديث عن قطر والإمارات العربية المتحدة وتركيا وبعض الأوروبيين، وأن هؤلاء تحدثوا مباشرة عن «المطلوب» من سوريا في هذه الفترة، مع توضيحات عن نوعية هذه المطالب ونوعية العروض المقابلة. ومنها:
ـــــ أن على سوريا أن تأخذ في الاعتبار التطورات التي عصفت بالمنطقة في الفترة الأخيرة، وأن التحولات الجارية في مصر تتيح إعادة الاعتبار إلى المحور العربي الذي يمنع الآخرين من التدخل في الشؤون العربية. وحتى لا يظل الحديث مبهماً، يتحدث الموفدون عن ضرورة إعادة سوريا النظر في علاقتها بإيران على وجه التحديد، ومع جهات المقاومة في لبنان وفلسطين، والسير نحو استراتيجية عربية جديدة.
ـــــ أن موافقة سوريا على التوجه الجديد ستتيح علاقات أفضل لها مع دول عربية كبيرة ومع عواصم خارجية، وأن الدول الغنية بالنفط ستوفر مساعدات كبيرة لسوريا لمواجهة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، وفي ذلك ما يساعد النظام على إنجاز عمليات إصلاحية كبيرة مترافقة مع مشاريع تنموية تمنع أسباب الاحتجاج المعيشي.
ـــــ أن تحسّن علاقات سوريا مع عواصم عربية ودولية من شأنه توفير مساعدة لسوريا على مواجهة أي محاولات للتخريب أو زعزعة الاستقرار.
وبحسب القريبين أنفسهم، فإن الجواب السوري الذي صدر عن مستويات عدة، بينها الرئيس بشار الأسد مباشرة ومسؤولون آخرون، هو أن السلطات «تميّز بين محتجّين من المواطنين الذين نعرفهم ونعرف مطالبهم، والمجموعات التي اعتقل العديد من أفرادها وهم ينتمون إلى تيارات سلفية متشدّدة ويجري تمويلهم ومساعدتهم لوجستياً من جهات وعواصم عربية»، وأن دمشق «تعرف أن هناك من يعمل على استغلال الاحتجاجات الشعبية لتحقيق أهداف لا علاقة لها بمطالب الناس».
ومن المفترض أن يدعو وزير الخارجية السوري وليد المعلم، خلال الساعات المقبلة، أكثر من عشرين سفيراً من أميركا وأوروبا لمناقشتهم في الأحداث الجارية في سوريا، ويعرض عليهم ملفات أعدّتها وزارة الداخلية، تتعلق بما تقول دمشق «إنه برنامج تخريب منظّم يهدف إلى ضرب الاستقرار وإحداث فتنة في البلاد»، وذلك بحسب المقرّبين الذين يعتقدون أن الموفدين العرب والأتراك والدوليين إنما «كانوا يحاولون عرض صفقة، فإذا رفضتها سوريا فسيكون هناك تصعيد دبلوماسي وإعلامي قريباً، بغية تحويل الملف إلى قضية دولية بقصد استدراج عروض من جماعات سورية لأشكال عدة من التدخّل».
ويبدو أن علاقات سوريا لم تهتز فقط مع عدد من الدول العربية، بل مع تركيا أيضاً. وحتى اللحظة، لا يتقبّل المسؤولون السوريون كيف أن الحكومة التركية توافق على استضافة مجموعة من قيادات الإخوان المسلمين في أنقرة وإسطنبول ومناطق قريبة من الحدود مع سوريا، وأن هؤلاء يتولّون إجراء الاتصالات بناشطين منهم في سوريا لحثّهم على التظاهر. ونُقل عن مسؤول سوري كبير قوله: «هل تقبل تركيا بأن ينشط أكراد معارضون لها على أراضي سوريا ويعملوا على زعزعة الاستقرار فيها؟».
الواضح أن سياقاً آخر للمتابعة برز أمس في الملف السوري. ومع أنه لا الإجراءات التي تقوم بها الحكومة الآن ولا التدخل الخارجي سيحجبان الحاجة إلى إصلاحات كبيرة داخلياً، إلا أن ذلك لن يكون وحده البند الساخن في البحث داخلياً وإقليمياً، وحتى خارجياً، وخصوصاً أن ما يجري الآن في ليبيا والبحرين من شأنه رفع درجة التنبّه إلى أن الولايات المتحدة، ومعها دول عربية كثيرة، تقوم بكل ما من شأنه لاحتواء الثورات الشعبية ومنعها من التوجّه نحو تغييرات جذرية. وها هي الضغوط على مصر تزداد يوماً بعد يوم لمنعها من السير سياسياً في وجهة مختلفة عمّا كانت عليه أيام حسني مبارك، ومحاولة حصر أهداف الثورة ببعض التغييرات الداخلية، عدا عن الجانب الأكثر خطورة، الذي يتمثل في استعداد عملي عند دول غربية وعند الولايات المتحدة للعودة إلى مغامرات عسكرية مباشرة أو بواسطة حلفائها... أليس الوجود العسكري السعودي في البحرين نموذجاً لوصاية خارجية مباشرة، أم يستعيد داعموه لغة حلفاء سوريا في لبنان عن «الوجود الشرعي والمؤقت»؟ ثم ماذا عن ثوار ليبيا الذين باتوا على اقتناع بأن إطاحة معمر القذافي أمر غير ممكن من دون دخول جيوش الغرب إلى طرابلس وتدمير كل شيء؟