بدا مستوى التوتّر منخفضاً أمس في الاجتماع الوزاري العربي في الرباط بشأن الوضع السوري، الذي انتهى إلى فرصة جديدة متمثّلة في الطلب من دمشق التوقيع على بروتوكول لإرسال بعثة من المراقبين العرب، مع التلويح بعقوبات اقتصادية، فيما أكدت مصادر أن العاصمة السورية تتّجه إلى الموافقة على الطلب العربي

أسهمت المساعي التي قام بها عدد من الدول العربية في إعادة إحياء المبادرة العربية لحل الأزمة في سوريا، وتأجيل مزيد من القرارات التصعيدية ضد دمشق بعد دخول تعليق مشاركتها في اجتماعات الجامعة حيّز التنفيذ، والتأكيد على قانونيّة قرار التعليق الذي اتخذ في اجتماع السبت الماضي في القاهرة. وعلى هذا الأساس خرج اجتماع وزراء الخارجية العرب بقرار، بدا أنه معدّ مسبقاً، يدعو دمشق إلى التوقيع على بروتوكول «إطار قانوني وتنظيمي» لإرسال بعثة من المراقبين العرب الى سوريا لحماية المدنيين، مع التهديد بفرض عقوبات اقتصادية على الحكم في سوريا، الذي أكدت مصادر قريبة منه أنه سيوافق على التوقيع.
وأكد الوزراء العرب، في قرار اعتمدوه وتلاه رئيس الوزراء، وزير الخارجية القطري، حمد بن جاسم، خلال مؤتمر صحافي، أنهم كلّفوا الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي «الاتصال مع الحكومة السورية لتوقيع بروتوكول بشأن المركز القانوني والتنظيمي» لبعثة المراقبين العرب المكلفة بحماية المدنيين «في أجل لا يتجاوز 3 أيام من تاريخ إصدار هذا القرار» ليصار بعد ذلك إلى إيفاد المراقبين «فوراً». ودعا القرار «المجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة العربية» الذي يضم وزراء الاقتصاد والمال العرب «إلى الاجتماع لدراسة الجزء الاقتصادي من قرار وزراء الخارجية العرب» الذي صدر السبت الماضي ونصّ على توقيع عقوبات اقتصادية وسياسية على الحكومة السورية.
وسئل بن جاسم عمّا إذا كان القرار يعني فرض عقوبات اقتصادية على الحكومة السورية إذا لم تستجب خلال مهلة الأيام الثلاثة، فأجاب «إذا لم تكن هناك إجراءات فعالة وفوراً لوقف القتل وإطلاق سراح المعتقلين، فهناك إجراءات اقتصادية (عقابية) ستتخذ». وتابع «ما هي هذه الإجراءات؟ الوزراء (أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة العربية) سيرفعون إلينا اقتراحاتهم»، مشدداً على «أننا لن نتبنى أي عقوبات اقتصادية تمسّ الشعب السوري».
وقال بن جاسم «لا أريد أن أتحدث عن فرصة أخيرة» للنظام السوري «حتى لا يفهم أننا نوجه إنذارات، ولكن أعتقد أننا قاربنا نهاية الطريق». وأضاف «نأمل من الله ومن إخواننا في سوريا أن يتعاونوا معنا لننهي هذه المأساة». وشدد على أن «القتل يجب أن يتوقف»، معرباً عن أسفه «لزيادة القتل خلال الأيام الثلاثة الأخيرة». وتابع «هم (النظام السوري) يقولون لا للتدخل الأجنبي .. فليحلوا الأزمة عربياً».
وأوضح الامين العام للجامعة العربية، في المؤتمر الصحافي نفسه، أن نص البروتوكول المتعلق بالمراقبين العرب «أرسل قبل دقائق الى وزير الخارجية السوري» وليد المعلم، وأن 16 منظمة عربية معنية بحقوق الانسان ستشارك في إيفاد مراقبين. وأكد أن «تفويضهم سيكون السعي الى توفير الحماية للمدنيين» من خلال الزيارات التي سيقومون بها إلى «16 منطقة (في مختلف أنحاء سوريا) حددتها المعارضة السورية باعتبارها بؤر توتر حادة وعنيفة». وفي ما يتعلق بالدعوة السورية لعقد قمة عربية طارئة، قال العربي «إن الوقت غير مناسب» لعقد مثل هذه القمة.
وذكرت مصادر مشاركة في اجتماعات الرباط أن حوارات دارت حول برنامج عمل اقترحه وزير الخارجية القطري يستند إلى تقرير أعدّته الأمانة العامة، ويقول إن سوريا لم تلتزم بالخطة. ودعا حمد بن جاسم إلى تحويل تعليق مشاركة سوريا في الاجتماعات إلى تعليق العضوية، وإلى فرض عقوبات اقتصادية تتركز على التبادلات التجارية وإلزام الدول بسحب السفراء من دمشق.
وحسب المصادر، فإن الجدل توسّع مع تدخل مندوبي لبنان، الجزائر ومصر، حيث طالبوا بعدم التصعيد، ورفضوا إلزام الدول بسحب السفراء، وأنه لا بد من إفساح المجال أمام المزيد من الحوار. وقال المندوب الجزائري إن سوريا موافقة على خطة العمل وهي مستعدة لاستقبال أي لجنة عربية برفقة مراقبين وجمعيات حقوقية ووسائل إعلامية، وإنه يجري العمل على إطلاق المعتقلين.
وبينما كان لافتاً صمت وزير خارجية السعودية، تحوّل الجدل بين الجزائريين والمصريين، من جهة، وبين رئيس اللجنة الوزير القطري، ليصار إلى الإقرار بمنح سوريا مهلة إضافية لمدة 3 أيام من أجل الحصول على مزيد من الخطوات على الأرض. وأبلغ المندوبان الجزائري والمصري نظراءهما أن سوريا موافقة مسبقاً على إرسال وفد المراقبين. وقد أكدت مصادر سوريّة لـ«الأخبار» أن دمشق ستوافق على توقيع البروتوكل العربي، ومن المقرر إصدار بيان في هذا الشأن خلال الساعات القليلة المقبلة.
ورداً على طلب وزير الخارجية الجزائري درس قانونية قرار تعليق مشاركة سوريا في أنشطة الجامعة العربية، قدم الأمين العام للجامعة العربية إلى الوزراء دراسة أعدّتها الدائرة القانونية في الجامعة تُظهر أن القرار قانوني، إذ إنه يختلف عن قرار تجميد العضوية الذي يحتاج إلى إجماع الدول العربية (عدا الدولة المعنية)، في حين أن قرار التعليق بحاجة إلى ثلثي أعضاء المجلس وزراء الخارجية، بناءً على تعديل على أنظمة الجامعة أقرّ عام 2005.
وسبق القرار العربي بيان صدر عن اجتماع الدورة الرابعة لمنتدى التعاون العربي ـــ التركي، دعا الى حل في سوريا «بدون أي تدخل أجنبي» وإلى «إجراءات عاجلة لحماية المدنيين». وشدد المنتدى على «ضرورة وقف إراقة الدماء وتجنيب المواطنين السوريين المزيد من أعمال العنف والقتل، الأمر الذي يتطلب اتخاذ الإجراءات العاجلة لضمان حماية المدنيين». كذلك رحب بقرار مجلس الجامعة تعليق عضوية سوريا.
وكان وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو قد قال في افتتاح المنتدى إن «النظام السوري قد يواجه العزلة»، وخصوصاً في العالم العربي، لأنه «لم يف بالوعود التي قطعها على نفسه في الجامعة العربية». وقال «قبل كل شيء يجب انسحاب الجيش السوري من المدن وعلى الفور، وخاصة أن هناك قوات غير نظامية ويُستخدم الرصاص الحي».
وكانت وزارة الخارجية الفرنسية قد استبقت اجتماع الوزراء العرب باستدعاء السفير الفرنسي، إريك شوفالييه. وقال وزير الخارجية الفرنسي، ألان جوبيه، إن فرنسا استدعت سفيرها من سوريا بعد تصاعد العنف هناك، وتعمل مع الجامعة العربية على وضع مشروع قرار جديد في الأمم المتحدة. ومن المقرر أن يزور جوبيه تركيا الخميس والجمعة ليبحث مع المسؤولين الاتراك الأزمة السورية والمسائل الإقليمية.
من جهة ثانية، رأى المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية برنار فاليرو أن الإفراج عن أكثر من ألف موقوف في سوريا «لا يلبّي توقعات المجتع الدولي»، مذكّراً بوجود عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين في سوريا. ومن دون التطرق الى الهجوم، الأربعاء، على مركز لأجهزة الاستخبارات السورية من قبل جنود منشقين، رأى أن «تدخل الجامعة العربية والمجمتع الدولي أمر ضروري لتشجيع الشعب السوري على الحفاظ على الطابع السلمي للاحتجاج».
وفي السياق نفسه، رأت الولايات المتحدة أن أعمال العنف التي تمارسها المعارضة في سوريا تخدم مصلحة النظام في سوريا. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية مارك تونر «لا نقرّ العنف، لا من جانب الجيش السوري والنظام ولا من جانب المعارضة»، وذلك رداً على سؤال بشأن الهجوم الذي شنّه عسكريون منشقون على مركز للاستخبارات السورية في ريف دمشق.
إلى ذلك، أكد وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي، أمس، أن «الجامعة العربية تصرّفت بطريقة تؤدي إلى تعريض أمن المنطقة للخطر، فيما كان عليها أن تعمل علی تسوية موضوع سوريا بحيث لا يؤدي إلى زعزعة الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة». وأشار إلى أن «الحكومة السورية أعلنت في العديد من المناسبات أنها مستعدة لتلبية مطالب الشعب السوري، وأنها ستجري إصلاحات شاملة في كيفية إدارة البلد». وأكد أن «البعض يسعى إلى إثارة أجواء التوتر في المنطقة».
(الأخبار، أ ف ب، أ ب، يو بي آي)