ريف دمشق | يُعد قطاع التعليم واحداً من أشد القطاعات تضرراً في سنوات الحرب. وتشير الأرقام والإحصاءات إلى نسب مرعبة للأطفال غير الملتحقين بالمدارس، ممن هم في سن التعليم الأساسي (من الصف الأول إلى الصف التاسع). تتشابه ظروف التعليم في كثير من المناطق العائدة حديثاً إلى سيطرة الدولة السورية، من حيث نقص الكوادر، وتضرر المباني، وصعوبة الوصول من جرّاء الظروف العامة، والخلل في توافر مياه الشرب والصرف الصحي؛ فيما تبرز تمايزات بين منطقة وأخرى، مثل ما يتعلق بنظرة المجتمعات المحلية إلى تعليم الفتيات. من بين أبرز التحديات، تعويض الأطفال الذين حُرموا من التعليم في سنوات الحرب عمّا فاتهم، وإيجاد وسائل لإلحاقهم بأقرانهم. ويبرز في هذا السياق «المنهاج ب»، الذي كان واحدة من نتائج التعاون بين وزارة التربية ومنظمة «يونيسف». الواضح أن المنهاج المذكور لا يعدو كونه حلّاً إسعافياً مؤقتاً، غير كافٍ لتعويض الخلل الهائل في العملية التعليمية.


تصرخ سلمى، ابنة الثمانية أعوام، مطالبة خرفانها بالابتعاد إلى أطراف الطريق الترابيّة، أثناء مرور سيارة بجوار القطيع. تعمل الطفلة مع أخيها قصيّ في مهنة رعي الأغنام. نصادفها وهي تمتطي حماراً صغيراً، وتمرّ أمام مدرسة نصف مهدّمة في إحدى بلدات الغوطة الشرقية بالتزامن مع انصراف التلاميذ، فيتشارك بعض الأطفال الطّريق مع سلمى وقصيّ. يبلغ الأخير من العمر خمسة عشر عاماً، قضى ثمانية منها في رعي الأغنام والخرفان، مع أفراد عائلته. نالت المنطقة نصيباً كبيراً من الدمار. أينما تلفّتّ هنا، ترى أبنية مهدّمة، وتلمح آثار التعب وحسرة الفقد في العيون. ازدادت وتيرة عودة بعض من غادر هرباً من العمليات العسكرية، وراحوا يرمّمون ما تبقّى من منازلهم بأبسط الطرق، بعد إجراءات كثيرة، وموافقات ودراسات أمنية. نالت المدارس، بدورها، قسطاً وافراً من ويلات الحرب، وتهدّم عدد كبير منها بنسب متفاوتة. عقب استعادة السيطرة على المنطقة، سارعت الحكومة إلى تقييم الأضرار، ووضعت خططاً بالتعاون مع بعض المنظمات (ولا سيّما «يونيسف»)، لترميم بعض المدارس، وتأمين عودة الطلاب منذ بداية العام الدراسي 2018 ــ 2019. وأشارت الإحصاءات الأولية الصادرة عن وزارة التربية وقتها إلى أن خمسمئة مدرسة في ريف دمشق تحتاج إلى الترميم، تسعٌ وثلاثون منها مهدّمة بشكل كامل، وسبعٌ وأربعون مدرسة جاهزة للتّعليم بشكل جزئي في الغوطة الشرقية، مع غياب خدمات الصرف الصحي والمياه الصالحة للشرب عن معظمها.

الطفل المعيل!
سلمى، مثل كثير من أطفال الغوطة، لم تتلقّ أيّ تعليم في المدارس، لكنها تحبّ أن ترسم خرفانها، وما تصادفه من مشاهد أثناء مرافقتها لأخيها في الرعي. أما قصيّ، فقد توقف عن ارتياد المدرسة بعد اجتيازه الصف السادس أساسي. يحاول الطفل أن يعلّم أخته تعداد الخراف، ويعطيها بعض الدروس الحسابية البسيطة. يبتسم ساخراً عندما نسأله: لماذا لم تكمل تعليمك؟ ويقول: «يا دوب (بالكاد) أخدت الشهادة الابتدائية... لم أكن لأحصل عليها لولا نزوحي مع من تبقّى من أفراد أسرتي وقطيعنا إلى بلدة الغزلانية». تقع البلدة على أطراف الغوطة، ولم تخرج عن سيطرة دمشق. فرض النزوح نفسه، عقب مقتل رب الأسرة، مع عدد من خرفانه، من جرّاء انفجار صاروخ على مقربة منه. هكذا، تقاسم قصي ووالدته مسؤولية إعالة الأسرة التي تضمّ إليهما أربعة أطفال، وجدتهم.

ارتفاع تكلفة المعيشة يجعل العائلات بحاجة إلى عمل كل أفرادها لتأمين طعامهم


يحكي الطفل عن تعليمه في الغوطة قبل النزوح. «كنت أذهب إلى المدرسة، إلى أن تهدّمت وأغلقت أبوابها. بعض المعلمين استمروا بإعطائنا الدروس في أقبية أحد المباني بشكلٍ متقطّعٍ، وسط ظروف صعبة وخطيرة، وإضاءة وتهوية شبه معدومتين». ويضيف «كان عدد التلاميذ يقلّ يوماً بعد يوم، وانقطعت عن التعليم لمدّة عامٍ ونصف». بعد النزوح، رغبت الأم في مواصلة ابنها تعليمه. توجّهت به إلى إحدى المدارس، وألحقته بصفوف «المنهاج ب»، ليحصل على وثيقة إتمام المرحلة الأولى من التعليم الأساسي، ويترك المدرسة بعدها. ماذا عن سلمى وباقي إخوتها؟ تجيب الطفلة بحماسة «لم أذهب إلى المدرسة هذا العام بسبب انتقالنا من جديد، وعودتنا إلى بلدتنا، وكان العام الدراسي قد بدأ». وتضيف «قصي وأمي يقومان بتعليمي مع إخوتي في المنزل بعض الأحرف والأرقام، أنا أرسم خروفي الصغير وأتمنى أن أتعلم كتابة اسمه (غنّوم) في العام القادم». يبتسم قصي، ويقول بلهجة وليّ الأمر: «أتمنى أن يوفِّق إخوتي في العام المقبل بين العلم والعمل، أنا بحاجة إلى المساعدة في العمل، وسلمى ستتزوج بابن عمها بعد أعوام قليلة... لكن لا أمانع ذهابها إلى المدرسة مع إخوتها، في العام المقبل».

«منهاج الإنقاذ»
«المنهاج ب، هو منهاج الإنقاذ الذي اعتمدته وزارة التربية بالتعاون مع اليونيسف لتعويض الفاقد التعليمي للطلاب، وإتاحة الفرصة لآلاف التلاميذ المنقطعين للعودة إلى الدراسة»، تقول سعاد، معلمة الرياضيات في إحدى مدارس الغوطة. تقوم الفكرة على دمج المنهاج التعليمي الأساسي لسنتين دراسيتين، بطريقة مدروسة بهدف تعويض سنوات الانقطاع، وإعادة دمج الطلاب بفئاتهم العمرية لاحقاً. تضيف سعاد «أغلب المدارس في الغوطة الشرقية تعتمد هذا المنهاج، بسبب انقطاع وتسرّب عدد كبير من التلاميذ، وكنا قد خضعنا لدورات أقامتها وزارة التربية، لنتعرف إلى طريقة تدريس هذا المنهاج». سُجل ارتفاع ملحوظ في أعداد التلاميذ هذا العام، ويصل عدد الطلاب في الصف الواحد إلى خمسين طالباَ في بعض الأحيان (بفعل قلة عدد المباني الجاهزة). برغم ذلك، لا تزال نسبة تسرّب التلاميذ كبيرة لأسباب عديدة، منها الفقر واضطرار الأطفال إلى العمل، وخاصةً في ظل غياب المعيل، وارتفاع تكلفة المعيشة، ما يجعل العائلات بحاجة إلى عمل أفرادها مجتمعين لتأمين طعامهم. علاوة على أفكار تتعلق بالزواج المبكر للفتيات، أملاً بتخفيف الأعباء الاقتصادية بخفض عدد أفراد الأسرة، و«الستر» على الفتاة في بيت زوجها، فالمرأة حسب رأي الكثيرين هنا «آخرتها لبيت زوجها».

نقص في الكوادر
خسر قطاع التعليم خلال سنوات الحرب آلاف الخبرات والكوادر التعليمية. تعدّدت المسبّبات ما بين فقد وتهجير ونزوح وهجرة، أو عمل في مجالات بعيدة عن التدريس توفر عائداً مادياً أفضل، إذ لا يتجاوز راتب المعلّم في المدارس الحكومية 35 ألف ليرة لدى تعيينه (35 دولاراً تقريباً)، وبرغم الزيادة الأخيرة على الرواتب الحكومية فإنّ راتب معلم مثبّت منذ 15 عاماً يقارب 50 ألفاً فقط. في الوقت الراهن، معظم المدرّسين في المدارس الحكومية يتم تكليفهم بصفة «وكلاء»، وهذه طريقة لتعويض النقص في الكوادر التعليمية، ويتقاضى الوكلاء رواتب أقلّ من نظرائهم المثبّتين. تقول المعلمة سعاد «تشكل المعلمات النسبة الأكبر من أعضاء السلك التعليمي من أهالي الغوطة، نظراً إلى قلّة عدد الرجال المتبقّين فيها. وسائل النقل إلى الغوطة قليلة، ما يصعّب التحاق المدرّسين من خارج الغوطة بمدارسنا التي لا تزال نصف مهدّمة». تعدّد بعض صعوبات العملية التعليمية «حتى الآن، هناك قاعات صفوف بلا أبواب أو شبابيك، والمقاعد قديمة ومكسّرة، لا وسائل للتدفئة والإنارة لغياب الكهرباء والمازوت معظم الأوقات، خدمات الصرف الصحّي والمياه سيئة، والجدران مليئة بآثار الحرب». وتضيف «مع ذلك، نواصل إعطاء الدروس ومساعدة الطلاب، هذه فرصتهم الوحيدة ليحصلوا على التعليم، ويتجاوزوا ما مرّوا به من أحداث، إنهم أبطال».