كحال كل موسم في كرة القدم اللبنانية، تتوقّف المباريات وتعترض إدارات ويحتج الجمهور، والسبب واحد، التحكيم. فقد الجمهور اللبناني ومعه إدارات الأندية واللاعبين الثقة بالحكم اللبناني منذ سنوات، بسبب أخطاءٍ تُصنّف من «ضحاياها» على أنها «غير طبيعية». أخطاء، بنظرهم، تُهيمن على اللعبة، وتتحكم بجدول الترتيب. تمنح ركلة جزاء غير مستحقة لهذا الفريق، ولا تحتسب هدفاً صحيحاً لفريق آخر. نظرية «المؤامرة» تسيطر على الدوري.


الحل من إدارة اللعبة كان باستقدام حكام أجانب. حكام لا يعرفون شيئاً عن الأندية ومن يدعمها، ولا يهمهم سوى الحصول على أموالهم، والسلام. وبما أن الحكم أجنبي، فالاعتراض ممنوع، «لأن الحكم لا يعرفنا ولا يعرف خصمنا»، وبالتالي فلا سبب يدعوه لأن يأخذ طرفاً معيّناً. وبطبيعة الحال «بيبقى أحسن من يلي عنا»، لسان حال الجماهير والأندية. الحكم الأجنبي شبه «معصوم».
الجديد، أن هؤلاء باتوا يرتكبون أخطاءً أكثر من الحكام اللبنانيين! في الأسبوع قبل الفائت، حرم الحكم العراقي، فريق النجمة من ركلتي جزاء صحيحتين أمام السلام زغرتا. كان ذلك في الأسبوع الـ18 من الدوري. وقبله، احتسب الحكم الأردني ركلة جزاء غير صحيحة على الإخاء الأهلي عاليه في مباراتهم مع طرابلس. لكن الحالة مرت مرور الكرام، بسبب فوز الفريق الجبلي بفارق هدف. واعترض إداريو الأنصار كثيراً على الحكم القبرصي الذي أدار مباراتهم مع النجمة في ربع نهائي كأس لبنان. والحبل عالجرار.
ضد الحكم الأجنبي... أو المعاملة بالمثل
يرفض الحكم اللبناني الدولي المعتزل، رضوان غندور، الاستعانة بحكام أجانب في الدوري المحلّي، إلا أنه يأسف أننا «بتنا بحاجة إليهم»، بعدما أفقدت الأندية واتحاد اللعبة ثقة الحكم اللبناني بنفسه، فأصبح غير قادر على إدارة المباريات المهمة والحساسة. يسأل غندور: «ما الذي كان يتوقّعه الاتحاد عندما استعان بحكام أجانب منذ بداية الموسم؟». برأيه، هذا القرار يُعطي الأندية سبباً إضافياً لمهاجمة الحكم اللبناني... «المسؤولون عن اللعبة أنفسهم فقدوا الثقة بحكامنا».


يرفض الحكم اللبناني الدولي المعتزل رضوان غندور الاستعانة بحكام أجانب في الدوري المحلّي إلا أنه يأسف أننا «بتنا بحاجة إليهم»
يضيف غندور، الذي تراجع عن اعتزاله في الموسم الماضي، ثم عاد ليترك اللعبة مجدداً، «أن جلب الأجانب إلى لبنان، إن كان من الضرورة أن يتم، فمن المفترض أن يعقد الاتحاد اللبناني اتفاقية مع اتحاد الحكام الأجانب الذين يحضرون ليديروا مباريات دورينا. فلتكن المعاملة بالمثل. حكامٌ أجانب في لبنان وحكامٌ لبنانيون في الخارج». يرى الحكم «الدولي» أنه بهذه الطريقة يعوّض اللبناني الثقة التي سحبت منه... «ومع الوقت، يُصبح قادراً على إدارة أي مباراة في الدوري المحلي، متسلحاً بقيادته لمباريات في دوريات أخرى».
ويرى غندور، الذي يرفض نظرية «المؤامرة» و«الأخطاء غير الطبيعية»، أن الموسم الحالي انتهى بالنسبة للحكم اللبناني، وبما أن الاتحاد بات لازماً عليه الاستعانة بحكم أجنبي، «فيجب أن يبتعد عن الحكم العربي». يتابع: «الحكام القبارصة كانوا أفضل من الحكام العرب، والدليل أن أخطاءهم لم تكن مؤثرة كتلك التي ارتبكها نظراؤهم من الدول العربية».

على الاتحاد محاسبة الأندية

أراد الاتحاد في منتصف الموسم أن يحمي الحكم المحلّي، فأصدر قراراً «يحظر من خلاله أي جمعية أو أي شخص سواء كان لاعباً أو إدارياً، أن يُلقي أو ينشر عبر الإعلام خطاباً أو مقالات أو تصريحات أو مؤتمرات صحافية، تمسّ بالتحكيم الرياضي، تحت طائلة معاقبته بالإيقاف مدة تتراوح بين شهر وستة أشهر، بالإضافة إلى عقوبة مالية». لم يُعمل بهذا القرار، الذي يرى غندور أنه يحمي الحكام، ويمنع الأندية من التطاول عليهم. يأسف لما يفعله اتحاد اللعبة مؤخراً، من الإعلان عن إيقاف الحكام في التعاميم التي يُصدرها. «عندما يُخطئ الحكم يُحاسب سراً، ولا يُفضح بهذه الطريقة. هم يحاولون إرضاء الأندية، لكن على حساب قاضي المباراة، وهذا أمرٌ غير صحي». يستطرد: «يخرج رئيس النادي أمام الإعلام والصحافة، ويوجّه الاتهامات لـ«فلان» من طاقم التحكيم. يجيّش الجماهير، ولا يُحاسب. فشل إداريي الأندية بالاستقرار داخل «بيتهم» يوصلهم إلى هذه المرحلة. يغيّرون مدربين ولاعبين، ثم يخسرون المباريات. الحجة دائماً تكون بالحكم، الذي يُصبح مهدداً وغير محمي عند دخوله إلى أرض الملعب في أي مباراة».
ثمة نقطة أخرى مؤرقة لغندور. العدد القليل للحكام المؤهلين لإدارة مباريات الدرجة الأولى. يقول: «من المفترض أن لا يدير الحكم أكثر من ثلاث مباريات لفريقٍ واحد طوال الموسم. اليوم نرى الحكم يدير نحو ست مباريات للفريق عينه». السبب ليس قلة عدد الحكام فقط، بل «الفيتو» من الأندية على حكم معيّن، فيضطر لقيادة مباراة أخرى لفريق سبق أن أدار مباراة سابقة له. يشير إلى أن الحكام في لبنان يتمرنون مرة واحدة في الأسبوع في الملعب الذي يوفّره الاتحاد لهم، وأنهم يتحمّلون بعض المصاريف أيضاً، كالتمارين والتحضيرات والتجهيزات. «يجب أن يكون هناك مدرب لهؤلاء. جهاز فني كامل، كالذي يُشرف على لاعبي الفرق. في نهاية المطاف، الحكم يبذل مجهوداً على أرض الملعب كحال اللاعب».
الحل عند غندور يكمن في حماية الحكم من قِبل الاتحاد، وإعطائه كامل الثقة، وتوفير الظروف الضرورية له للتطوّر في الأداء. بالإضافة إلى محاسبة من يمسّ بالجهاز التحكيمي.
لم يتبقَ الكثير على نهاية الموسم، والعمل على إعادة الثقة للحكم اللبناني يجب أن يبدأ العمل عليها باكراً، دون أن يشعر أن الذي يُستقدم من الخارج أفضل منه، وأن المباريات الحساسة ليست له. ومن جهة ثانية، تنتهي نظيرة «المؤامرة» المنسوجة في عقل المشجعين وإداريي الأندية، وتبقى الأخطاء... «طبيعية ويمكن أن يرتبكها البشر العاديون».