منذ عامين «أبهرت» المملكة العربية السعودية العالم برؤيةٍ جديدة. في أبرز مساعي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لإقناع الميديا أنه ليس مبصراً فقط بل «صاحب بصيرة»، أطلق خطة «ما بعد النفط» للمملكة. رؤية السعودية 2030. مشاريع حكومية عملاقة وطموحات اقتصادية كبيرة، تلتها لاحقاً حملة كبيرة لـ«مكافحة الفساد». وحين نأتي على ذكر إنجازات ولي العهد، لا يمكن أن ننسى طبعاً «عملية إعادة الأمل» إلى الشعب اليمني عبر حصاره وتجويعه. حملة إصلاحات مهندَسة وخطط ممنهجة يرسم ملامحها بحذر أمير «أطهر بقاع الأرض». وجديد مشاريعه شراء النادي الأغلى في العالم، والصفقة خيالية. أين أصبح «حلم» شراء مانشستر يونايتد؟

هي ليست المرة الأولى التي تحاول فيها المملكة العربية السعودية دخول عالم الرياضة. فقد وقعت الرياض هذا العام عقداً لمدة عشر سنوات لاستضافة الفورمولا E، إلى جانب احتكار المملكة إقامة منافسة مصارعة WWE على أراضيها لـ10 سنواتٍ أيضاً. لكن هذا لم يكن كافياً لمحمد بن سلمان. ولي العهد يرغب بكسب مكانة له في عالم كرة القدم، ليواجه منافسيه في منطقة الخليج من أصحاب الأندية الأوروبية. فالقطب الكروي الآخر لمدينة مانشستر تعود ملكيته للإماراتي الشيخ منصور بن زايد، في حين أنّ باريس سان جيرمان الفرنسي مملوك من قبل القطري ناصر الخليفي. وقع اختيار السعودي على «الشياطين الحمر». وهو ليس العربي الأول الذي يسعى لخطف النادي، إذ حاول الرئيس الليبي السابق معمر القذافي شراء حصة أغلبية في النادي عام 2004.
انتشرت أخبار رغبة السعودي بشراء نادي مانشستر يونايتد بسرعة. 4 مليارات باوند هي ما ينوي بن سلمان دفعه لإقناع مالكي النادي «غلايزرز» ببيعه. مع انتشار الخبر، شهدت أسهم النادي الإنكليزي ارتفاعاً حاداً في بورصة نيويورك. وانقسمت الجماهير بين مؤيد ومعارض لفكرة سيطرة السعودي على النادي. علت الأصوات التي نفت وجود نية لبيعه، مؤكدةً أن الأمر لا يتعدى كونه شائعات. لكن بغياب نفي رسمي من جهة الغلايزرز، بقيت احتمالية الصفقة واردة. بأي حال، كان من المفترض أن يُعقد اجتماع في الأسبوع الفائت بين أفرام غلايزر وولي العهد لمناقشة ملف بيع النادي، وذلك خلال مؤتمر مبادرة الاستثمار المستقبلي في الرياض، وهو اجتماع يضم كبار المسؤولين في المملكة العربية السعودية وعدداً من المستثمرين والمصرفيين من جميع أنحاء العالم. إلا أنّ قضية مقتل الصحافي جمال الخاشقجي غيرت مسار الاتفاقية.
أفرام غلايزرز انسحب وأعلن عدم حضور المؤتمر. هنا، قد يبدو لنا أنّ الاتفاقية «طارت». لكن واقعياً، ربما لم تفعل. فرغم التنديد والإدانة بشناعة حادثة الخاشقجي، إلا أنّه ليس من مصلحة بريطانيا قطع علاقتها بالسعودية. الأمور تجري حسب ما تقتضيه الصفقات والمصالح، بعيداً عن صرخات الجماهير التي ارتعبت من فكرة تحكّم ولي العهد السعودي بالنادي. ولا ننسى أنّ اليونايتد، الذي يعاني هذا العام باحتلاله المركز الثامن، يرتبط مع السعودية بعلاقة قوية. فقد وقعت الهيئة العامة للرياضة في السعودية العام الماضي مذكرة تفاهم مع نادي «الشياطين الحمر» لتطوير «صناعة كرة القدم» في المملكة ورعاية المواهب الشابة. كما أنّ شركة الاتصالات السعودية ترعى النادي الإنكليزي أيضاً. بن سلمان الذي يسعى لتصوير نفسه كمستثمر ناجح وإصلاحي محارب للفساد، لا يبدو له مبلغ 4 مليارات باوند بالأمر الجلل. فولي العهد الذي يعتمد سياسة تقشف على شعبه ويشنّ عدواناً لتجويع أهل اليمن، لا مانع لديه من إنفاق ملايين الدولارات على مشتريات لا تسمن ولا تغني من جوع.
مانشستر يونايتد قد يصير واحد من مشترياته، إذ اشترى قصر لويس الرابع عشر في فرنسا بمبلغ 300 مليون دولار، الذي كان حينها أغلى منزل في العالم، كما اشترى يختاً بقيمة نصف مليار دولار، ولوحة للرسام الإيطالي ليوناردو دافنشي بقيمة 450 مليون دولار، وكلاهما الأغلى في العالم. حتى الآن، لا إعلان رسمياً من الطرفين، السعودي أو الإنكليزي، عن حقيقة ما يجري خلف الكواليس. الأيام المقبلة وحدها تملك الإجابة!