كلّ الأنظار تتجه نحو ملعب الشارقة اليوم. هناك ستكون نهاية المشوار، أو الوقوف بين أفضل الكبار في أكبر قارات العالم. منتخب لبنان أمام مهمة أقل صعوبة على الورق، من تلك التي واجهها في أول جولتين، إذ تبدو الفرصة متاحة للتغلب على المنتخب الكوري الشمالي، ولم لا خطف بطاقة مؤهلة إلى دور الـ 16.

الواقع أن مستوى ونتائج منتخب لبنان تحوّلت إلى قضية رأي عام، إذ خرج الحديث عنها من الدائرة الرياضية حتى وصلت إلى البرامج الاجتماعية والسياسية، بينما بقي أصحاب الاختصاص يشرّحون ويفصّلون ويحللون بحثاً عن أملٍ يمدّد مشوار المنتخب في العرس الآسيوي، وهي مسألة قابلة للتحوّل إلى حقيقة في حال تمّ العمل على تفادي الأخطاء التي وقع فيها منتخب لبنان في أوّل لقاءين، والعمل على مقاربة مختلفة كون الخصم المقبل يختلف كثيراً عن الخصمين الخليجيين.
الواقعية مطلوبة بشكل رئيسي، إذ لا يمكن «النوم على حرير» الفوز الكبير الذي حققه اللبنانيون على الكوريين بخمسة أهداف نظيفة خلال مرحلة التصفيات. ولا يجوز طبعاً التوقف عند الخسارة الكبيرة التي مني بها المنتخب الكوري أمام نظيره القطري بسداسيّة، وهي خسارة بلا شك عرف من خلالها حجمه الفني وحجم أخطائه، ومنها عندما فتح ملعبه أمام «العنابي» فدفع الثمن غالياً، الأمر الذي سيجعله يدخل المواجهة مع «الأحمر» بفكرٍ دفاعي إلى حدٍّ ليس ببسيط (ولو أنه يحتاج إلى الفوز أيضاً)، ما سيصعّب المهمة أكثر على رجال المدرب المونتينغري ميودراغ رادولوفيتش.
اسم الأخير كان الأكثر تداولاً أصلاً منذ المباراة الأولى للبنان في الإمارات، والترقّب كبير لما سيفعله لكي يغيّر من صورة منتخبه الذي لم يظهر بصورة هجومية حتى الآن. وهنا تكمن مهمة «رادو» تحديداً، وهي تتمحور حول كيفية الزجّ باللاعبين أصحاب النَفَس الهجومي في كل المراكز. ففي أوّل مباراتين بدا واضحاً أن المنتخب بحاجةٍ إلى أكبر عددٍ من اللاعبين القادرين على صناعة الهجمات، أي أولئك الذين يمكنهم بناء الهجمة من الخلف أو مشاركتهم فيها عند قطع الكرة. وهذه المسألة تتطلب لاعبين مثل نور منصور على سبيل المثال لا للحصر، وتتطلب ظهيرين لا يكتفيان بواجباتهما الدفاعيّة بل يزيدان من الكثافة العدديّة والضغط على الخصم في الحالة الهجوميّة. والنقطة الأخيرة بالتحديد بدت جليّة وعالجها رادولوفيتش في المباراة الثانية عندما أشرك قاسم الزين على الجهة اليسرى على حساب وليد اسماعيل، متّخذاً القرار ربما من خلال ما شاهده في حالات كثيرة قُطعت خلالها الكرة، لينطلق جوان العمري ليزيد في الهجوم من مركز الظهير الأيسر، في وقتٍ لم يترك فيه أربعة لاعبين مراكزهم، ما أنهى «مشروع الهجمة» اللبنانيّة بشكلٍ سريع.

خرج الحديث عن نتائج ومستوى لبنان من الدائرة الرياضية فوصل إلى البرامج الاجتماعية والسياسية


ومما لا شك فيه أن رادولوفيتش يعرف أنّه يمكنه مهاجمة كوريا الشمالية من دون خوفٍ كبير، وهو لهذه الغاية بإمكانه اللجوء إلى استراتيجية (4-3-3) التي ستمكّنه من الدفع بلاعب وسط مهاجم بين لاعبَي الارتكاز اللذين يعتمد عليهما، وخيار كنادر مطر أو محمد حيدر خلف المهاجم الوحيد هلال الحلوة، سيحرّك الجانب الهجومي اللبناني ويجعله قادراً على تهديد المرمى الكوري الشمالي في أي لحظة.
وفي موازاة هذه المقاربة لن يكتمل الرسم الهجومي إلا من خلال خلق المساحة على الجهة اليسرى للقائد حسن معتوق ليستعيد دوره، وشهيته التهديفية، ويؤمّن التموين اللازم. والحديث عن هذه النقطة ليس مصادفة أبداً، إذ لا يرتبط الكلام هنا بمعتوق وبما يُنتظر منه في كل مباراة وما لم يتمكن من تقديمه في كأس آسيا، بل عن مشكلة واضحة في المنتخب الكوري الشمالي في مركز الظهير الأيمن، وقد استغلها القطريّون بشكلٍ كبير ليحققوا أكبر فوزٍ في البطولة حتى الآن، حيث كانت الجهة اليسرى لقطر مركز العمليّات لخمسةٍ من الأهداف الستة التي تمّ تسجيلها.
وهنا سيتمحور عمل الظهير الأيسر اللبناني لتأمين الدعم وخلق الزيادة العددية وإعطاء الحلول للمستحوذ على الكرة.
كما لا يمكن إغفال أن الطرف الأيسر لدى الكوريين لا يقل سوءاً عن الأيمن، وهي مسألة يفترض أن تحرر أي لاعب سيشغل الجهة اليمنى لدى لبنان، لكن شرط أن يلعب عناصر الوسط دورهم في الانطلاق نحو المنطقة لاستقبال الكرات ما سيجبر لاعبي الوسط الكوريين على التزام مراكزهم واللحاق بلاعبي منتخب لبنان لمراقبتهم، الأمر الذي سيمنعهم من مساندة الظهير وتأمين التغطية الدفاعية اللازمة له، ما قد يوقعه في فخ المواجهات الثنائية حيث لا بدّ أن تتفوق خلالها المهارة اللبنانية.
طبعاً المهمة ليست صعبة وليست مستحيلة، لكنها ليست سهلة أيضاً، إذا خاضها اللاعبون اللبنانيون بدون تركيز، ولبنان الفائز على كوريا الشمالية 4 مرات في 7 مواجهات بينهما (خسر مرة واحدة وتعادل في مناسبتين)، ينتظر جمهوره «فشّة خلق» تمنحه فوزاً أول في النهائيات في مشاركته الثانية فيها، وهو فوز قد يكون أغلى الانتصارات منذ زمنٍ طويل إذا ما حجز المنتخب بطاقة تأهيلية إلى الدور المقبل.