283 مباراة، 198 هدفاً، 97 تمريرة حاسمة و13 لقباً في 6 مواسم. هذه هي أرقام لويس سواريز مع برشلونة، وهي أرقام تكفي للدلالة على أهمية «لويزيتو» مع «البرسا»، حيث خرج من النادي كأحد أهم اللاعبين الذين مرّوا في تاريخه، إذ يكفي أنه ثالث أفضل هدّافيه عبر الأزمنة.

هي مرحلة انتهت بالنسبة إلى برشلونة الذي بدأ ورشة التغيير حيث اعتقد البعض أنها ستطاول التحسينات أكثر منها التغييرات، وخصوصاً في ما خصّ الأساسيات. لكن المفاجأة كانت في قرار الاستغناء عن سواريز الذي لم يفكر أحدٌ يوماً أنه سيخرج من النادي بهذه الطريقة، أو أنه سيرتدي قميصاً آخر في الدوري الإسباني.
لكن الرئيس جوسيب ماريا بارتوميو وإدارته فعلاها، إذ حتى المدرب الجديد الهولندي رونالدو كومان لم يكن يمانع بقاء الهدّاف الأوروغوياني ولو أن دوره سيتقلّص إلى حدٍّ ما. هي معلومة مفاجئة لكن مصادر عدة مقرّبة من برشلونة أكدتها، إذ قال كومان بالحرف الواحد: «أنا لا أمانع بقاءك لكنهم لا يريدونك».
هذه الكلمات تبدو صحيحة عند الانتباه إلى حركة إيماء الرأس التي قام بها سواريز في مؤتمره الصحافي الوداعي عندما سأله أحد الصحافيين إذا ما كان يلوم نفسه على شيء. أجاب الرجل بضحكة ساخرة ممزوجة بغصّة وقام بحركة برأسه مشيراً إلى أحدهم، ولا شك في أنه كان بارتوميو.

لن يرحم سواريز برشلونة إذا سنحت له الفرصة للثأر من أولئك الذين طعنوه في الظهر


إذاً برشلونة انفصل عن سواريز، وهو قرارٌ خاطئ لا يبرره أبداً القول بأن اللاعب سيبلغ الـ34 من العمر في مطلع السنة المقبلة، إذ أن الحقيقة التي يمكن الجزم بها هي أن سواريز لم يتأثّر بتقدّم السن، وهو من طينة أولئك الذين لا يزالون يلمعون رغم كل شيء، أمثال السويدي زلاتان إبراهيموفيتش الذي عرف كسواريز إصابات وغيابات، لكنه عاد دائماً ليؤكد حضوره القوي.
سواريز فعلها أيضاً في الموسم الماضي، فهو من نوع الهدّافين الذين سيصعب على برشلونة إيجاد نسخة عنه في أوروبا. هو لا يزال جاهزاً بدنياً، وجائعاً لتسجيل الأهداف ولحصد الألقاب، وجديّاً في التمارين، ومقاتلاً في أرض الملعب. من هنا، يبدو من الظلم التفكير أو القول بأن سواريز لم يعد نافعاً لبرشلونة، والدليل على روحه القتالية التي يحتاج إليها الفريق اليوم، هو ما ظهر عليه في أسوأ مباريات «البلاوغرانا» أمام بايرن ميونيخ الألماني في دوري أبطال أوروبا، حيث بدا غير متأثّر بالنتيجة وقاتل حتى الرمق الأخير وكان مصدر الإزعاج الوحيد للدفاع والحارس مانويل نوير حتى تمكن من هزّ شباكه بهدفٍ جميل.
نعم، برشلونة هو الخاسر من فعلته، وكلام قائده الأرجنتيني ليونيل ميسي في وداع صديقه هو الدليل القاطع على هذه المقولة، إذ أن سواريز خلق ثنائية رائعة مع «ليو» وقبلها مثلثاً نارياً بوجود البرازيلي نيمار، ما يعني أن برشلونة فقد قطعة أخرى من لوحته الجميلة. ميسي أيضاً لن يجد شريكاً كسواريز، فهو صديقه خارج الملعب، وسنده في داخله. هما وصلا إلى أعلى درجات التفاهم، وظهرا في مبارياتٍ عدة وكأنهما يبحثان عن بعضهما البعض على المستطيل الأخضر بحيث يشعر كلٌّ منهما بالأمان عندما تكون الكرة في حوزة الآخر.
اسم سواريز كان كافياً أصلاً لإدخال القلق والرعب إلى قلوب المدافعين الخصوم. ومن نقطة الترهيب هذه يمكن الانطلاق في الكلام عن نقلته إلى أتلتيكو مدريد الذي يهوى أصلاً هذا النوع من اللاعبين.
هناك في العاصمة الإسبانية خلق المدرب الأرجنتيني دييغو سيميوني مجموعة من اللاعبين يشبهونه إلى حدٍّ كبير. الشبه طبعاً لناحية أسلوبه عندما كان لاعباً، والشبه الأكبر لشخصيته مدرباً. فريقٌ ثوري يتسلّح بمقاتلين لا لاعبين على أرض الملعب. هم يهوون القساوة في الدفاع، ويعشقون الصدامات في الهجوم. وعند النقطة الأخيرة يلتقي سواريز مع «الأتليتي».

يُعتبر سواريز ثالث أفضل هدّاف في تاريخ برشلونة(أ ف ب )

نعم، أتلتيكو مدريد هو الفريق المثالي للاعبٍ مثل سواريز، حيث سيجد أناساً يشبهونه في ملعب «واندا متروبوليتانو». هناك ينتظره سيميوني ومعه «الوحش» دييغو كوستا، ومجموعة لاعبي وسط وأجنحة يمكن أن يؤمّنوا له الإمدادات اللازمة لتسجيل المزيد من الأهداف في «الليغا».
وفي الشقّ الفني لا بد من التطرّق إلى حاجة «لوس كولشونيروس» إلى هدافٍ، إذ أن رحيل الفرنسي أنطوان غريزمان إلى برشلونة بالذات ترك فراغاً كبيراً حيث افتقد الفريق إلى اللمسة الأخيرة، وإلى لسعة لاعبٍ حاسم يمكنه مساعدته في الأوقات الصعبة. هي مسألة لم يستطع الفارو موراتا فعلها رغم أنه كان الهدّاف الأول للفريق في الموسم الماضي، لكن رقمه التهديفي يعكس عمق المشكلة في «الأتليتي»، إذ أن أفضل هدّافيه سجّل 12 هدفاً فقط في الدوري!
رقمٌ كان قريباً من رقم أحد المدافعين وهو قائد ريال مدريد سيرجيو راموس الذي سجّل 11 هدفاً في «الليغا»، ما يعني أن سواريز هو حاجة ملحّة لفريق سيميوني لا بل إنه أهم لاعب في الفريق حتى قبل أن ينزل إلى أرض الملعب، والدليل على ذلك أن الأرجنتيني بحث عن هدّافٍ طوال الصيف وحاول ضم الأوروغوياني الآخر إدينسون كافاني، قبل أن يسمع النبأ السار من برشلونة ويحصل على الرقم 9 المطلوب منه.
لكن على سيميوني تكييف لاعبيه مع ما يطلبه سواريز على أرضية الميدان، إذ أن تحركاته الدؤوبة يفترض أن تلتقي مع أسلوب اللعب الهجومي المعتمد أصلاً على الجناحين، ولو أنه يفضّل في بعض الأحيان الهروب في العمق لتلقي الكرات وضرب خطوط الدفاع واختراق المنطقة وهزّ الشباك. وهذه المسألة يفترض أن يتكيّف معها ساوول نيغويز والبلجيكي يانيك كاراسكو على وجه الخصوص، فهما يُعدّان أكثر اللاعبين قدرةً على خلق الفرص خلال المباريات بفعل مهارتهما وسرعتهما.
ببساطة كل الأجواء متاحة لسواريز من أجل الخروج من وضعه المعنوي الصعب بالتأكيد وتسجيل بداية جديدة، ستكون كما قال ميسي غريبة عند رؤية «العضاض» بقميصٍ آخر غير قميص برشلونة، وعندما يقف خصماً لفريقه السابق الذي بلا شك لن يرحمه إذا سنحت له الفرصة للثأر من أولئك الذين طعنوه في الظهر.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا