اشتدت وتيرة المعارك على أطراف منطقة عفرين خلال اليوم الثالث (وفق الإعلان الرسمي) للعدوان التركي، إثر محاولة القوات التركية الخاصة وفصائل «غصن الزيتون» المسلّحة، السيطرة على عدد من النقاط الاستراتجية، وتثبيت موطئ قدم داخل المنطقة.


وتركّز النشاط العسكري أمس، ضمن نواحي شران (شمال شرق) وبلبل (شمال) وشيخ الحديد (غرب)، حيث سيطرت القوات التركية لساعات على منطقة جبل برصايا ضمن ناحية شران، شمال غرب مدينة أعزاز، قبل أن تتمكن «وحدات حماية الشعب» الكردية من شن هجوم معاكس، استعادت خلاله جميع النقاط التي خسرتها خلال ساعات الهجوم الأولى. وفي ناحية شيخ الحديد، تمكنت الفصائل المهاجمة بدعم من سلاحي الجو والمدفعية التركيين، دخول عدد من النقاط الحدودية، والسيطرة لاحقاً على تلة السيريتل، التي تعد واحدة من أعلى النقاط المطلّة قرب الحدود بين عفرين ولواء اسكندرون. وأكدت فصائل «غصن الزيتون» انسحابها من جبل برصايا، بعدما سوّقت بشكل مكثّف للإنجاز الميداني بالسيطرة عليه، لكونه مطلاً على مدينة أعزاز، وتتيح مواقعه استهداف كل من أعزاز وكلّس التركية، فضلاً عن كونه إحدى أحصن النقاط الدفاعية التي عززتها «الوحدات» الكردية لسنوات. وأعلنت الفصائل نفسها، أنها سيطرت أمس، على قرى الشيخ بادي ومارسو وحفتر، التابعة لناحية بلبل في المنطقة، موضحة أن مجمل النقاط التي تمت السيطرة عليها ضمن عفرين هي 14 نقطة. وفي المقابل، أوضحت «الوحدات» أن المعارك لا تزال مستمرة في معظم تلك النقاط. وفي حصيلة تقريبية للمعارك المتواصلة، حتى أمس، أوضح «المرصد السوري» المعارض، مقتل 19 من عناصر فصائل «غصن الزيتون» في مقابل 26 من «الوحدات» الكردية. ونقلت قناة «سي إن إن ــ تورك» عن الجيش التركي، نبأ مقتل أحد جنوده خلال العمليات الجارية في عفرين.


أنقرة: لم نقدم وعوداً لأحد بشأن محدودية العملية في عفرين


وفي ما بدا أنه محاولة أميركية خجولة لوقف أو تجميد التحرك العسكري التركي، نقلت مصادر صحافية عن وزير الخارجية ريكس تيلرسون، قوله إن بلاده تأمل العمل مع أنقرة لإقامة «منطقة أمنية» على الحدود المشتركة بين تركيا ومناطق سيطرة «قسد»، وأشار إلى أن المحادثات «جارية» مع المسؤولين الأتراك وعدد من القوى الفاعلة على الأرض. وبدا لافتاً في ضوء ما نقل عن تيلرسون، زيارة وفد أميركي رفيع المستوى لمناطق سيطرة «قسد» شرق نهر الفرات، حيث زار قائد القيادة المركزية الأميركية لعمليات المنطقة الوسطى، الجنرال جوزيف فوتيل، بصحبة المبعوث الأميركي لدى «التحالف الدولي» بريت ماكغورك، وعدد من المسؤولين العسكريين والمدنيين، مدينة الرقة وبلدات عين عيسى وعين العرب، حيث التقوا ممثلين عن «قسد» وعن «المجالس المدنية» التي أنشئت لإدارة تلك المناطق. وأتى ذلك بالتوازي مع وصول وفد مشترك يضم مساعد وزير الخارجية الأميركية جوناثان كوهين، وعدداً من مسؤولي وزارتي الخارجية والدفاع إلى أنقرة، وفق ما أفادت به مصادر مطّلعة.
ولم يرشح عن الزيارة اللافتة في توقيتها، أي تفاصيل عن فحوى النقاشات، فيما ترافقت بتصريحات من البيت الأبيض ووزارة الدفاع والخارجية، تدعو أنقرة إلى «ضبط النفس... وضمان محدودية العمليات العسكرية».
وفي موازاة ذلك، شدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أمس، على «عدم تراجع» بلاده عن عمليتها العسكرية، موضحاً أن «مسألة عفرين سيجري حلها، ولن نتراجع. تحادثنا بهذا الشأن مع اصدقائنا الروس، ونحن متفقون». وانتقد بلهجة حادة الطلبات الأميركية من بلاده، بأن تكون «عملية عفرين» محدودة زمنياً. وبدوره، ذكر نائب رئيس الوزراء بكر بوزداغ، أنه يتعين على الولايات المتحدة وقف دعمها لـ«وحدات حماية الشعب» الكردية إذا أرادت العمل مع بلاده. كذلك نفت مصادر في الخارجية التركية لوكالة «الأناضول»، ما أشيع من أنباء عن تعهد أنقرة لموسكو باقتصار العمليات التركية على منطقة عفرين. أما «قوات سوريا الديموقراطية»، فقد دعت «التحالف الدولي» إلى «الاضطلاع بمسؤولياته» بشأن الهجوم التركي، على لسان المتحدث باسم «قسد» كينو غابرييل، في بيان تلاه خلال مؤتمر صحافي في مدينة عين عيسى في الرقة. واعتبرت «قسد» وفق البيان، أن «روسيا الاتحادية، عبر مؤسساتها الرسمية مدعوّة إلى توضيح الموقف الصريح إزاء هذا العدوان التركي»، معربة عن قناعتها بأن تركيا «ما كانت لتجرؤ على قصف قرانا ومدننا... إلا لأن روسيا الاتحادية قد تنصلت من التزاماتها الأخلاقية ومنحت الضوء الأخضر لهؤلاء بتحليق طيرانهم في أجواء عفرين». ولفتت إلى احتمال إرسال تعزيزات عسكرية إلى عفرين من مناطق سيطرتها في منبج وشرق الفرات، من دون أن توضح الآلية أو الطريق لوصولها إلى مناطق عفرين.

تحضيرات «سوتشي» على نار عفرين

ترافقت تطورات عفرين مع إعلان موسكو دعوتها «كافة اللاعبين الرئيسيين، الإقليميين والدوليين»، بمن فيهم ممثلون عن الأكراد السوريين، إلى المشاركة في «مؤتمر سوتشي»، وفق ما أعلن وزير الخارجية سيرغي لافروف، لدى بدء لقائه في موسكو مع رئيس «هيئة التفاوض» المعارضة، نصر الحريري. ولفت الأخير من جانبه، إلى أن «الهيئة لن تتخذ قراراً نهائياً (حول المشاركة في سوتشي)... قبل الحصول على معلومات كاملة من روسيا» حول المؤتمر. وردّ لافروف بالقول إن بلاده ستردّ على كافة أسئلة المعارضة، معرباً عن أمله في قدوم الوفد المعارض «من دون مقاربة منحازة... واستعداده لحوار صريح ونزيه». واتهم لافروف واشنطن بتشجيع «النزعة الانفصالية لدى الأكراد» في سوريا، متجاهلة «الطبيعة الحساسة» لتلك المسألة، بشكل ينمّ «إما عن عدم فهم للوضع، أو استفزاز عن إدراك تام». وفي موقف يعكس تشنّج الموقف الكردي من موسكو على خلفية ما يجري في عفرين، نقلت وكالة «رويترز» عن القيادي في «حركة المجتمع الديمقراطي» الكردية، إلدار خليل، قوله إن احتمالية ألا يشارك مسؤولون أكراد (المحسوبين على حزب الاتحاد الديموقراطي) في «مؤتمر سوتشي» أكبر من احتمالية مشاركتهم. ومن جانبها، قالت مصادر في وزارة الخارجية التركية، إن أنقرة أكّدت مجدداً لكل من روسيا وإيران، رفضها القاطع لمشاركة «الاتحاد الديموقراطي» ومن يمتّ إليه بصلة، في «مؤتمر سوتشي»، مضيفة أن البلدين وافقا على التحفظ التركي.
(الأخبار)