لم يكن مفاجئاً أن يتدحرج الاعتداء الاسرائيلي في محيط مطار دمشق إلى جولة صاروخية جديدة متبادلة. ولن يكون مفاجئاً أيضاً أن تتحول الاعتداءات اللاحقة إلى مزيد من الجولات، التي قد تصبح أبعد مدى مما شهدته حتى الآن. ومنعاً للاشتباه، لا يعود ذلك إلى تولّي شخصية جديدة قيادة جيش العدو (مع أن للأشخاص بصماتهم الخاصة)، بل ينبع من فشل رهانات وخيارات عدوانية نجحت سوريا في احتوائها وإفشالها والانتصار عليها. ونتيجة ذلك، ورث رئيس أركان جيش العدو، أفيف كوخافي، ملفات مفتوحة، لم ينجح سلفه (غادي أيزنكوت) في حسم أي منها، وعلى رأسها تعاظم القدرات الصاروخية وتطورها.

على هذه الخلفية، شهدت الساحة السورية، خلال الساعات الماضية، سلسلة اعتداءات إسرائيلية بلغت الذروة فجر يوم أمس. وقد كانت الرسالة الأبلغ دلالة في التصدي لهذه الاعتداءات، هي رسالة الصاروخ أرض ــ أرض، التي ستفرض نفسها على مؤسسة القرار في تل أبيب، كونها تؤشر إلى المرحلة الجديدة التي بدأ يدخلها الصراع مع سوريا، التي تشكل ركناً أساسياً في حاضره ومستقبله. وهي مرحلة كانت بدأت بالتبلور مع انتصار محور المقاومة، وفي مقدمته الجيش السوري، على الإرهاب التكفيري، ومع استعادة الدولة السورية سيطرتها على أغلب الأراضي. وهو ما تخشى تل أبيب آفاقه المستقبلية.

الاعتداء الاسرائيلي
مع أن الاعتداء الإسرائيلي الذي استهدف بداية محيط مطار دمشق الدولي يأتي امتداداً لما سبقه من اعتداءات وتحت الشعارات ذاتها، إلا أن رمزيته تنبع من كونه الاعتداء الأول في ظلّ قيادة رئيس الأركان الإسرائيلي الجديد. وهو بذلك يمثل فرصة لإسرائيل للتأكيد أنها ما زالت مستمرة مع القيادة الجديدة في خياراتها العملانية. ويتزامن الاعتداء أيضاً مع تواصل الاتصالات الروسية ـــ الإسرائيلية، التي من الواضح أنها تكثفت في الفترة الأخيرة ـــ بعد مرحلة من المراوحة نتيجة سقوط الطائرة الروسية في أيلول/ سبتمبر الماضي ــــ مستهدفةً، بحسب ما هو معلن، تعزيز التنسيق بين الجيشين الروسي والإسرائيلي على الساحة السورية، في ظلّ مخاوف إسرائيلية من إمكانية التدحرج نحو مواجهة واسعة، نتيجة مواصلة الاستراتيجية العدوانية: «المعركة بين الحروب»، على رغم أنها استنفدت نفسها، وثبت أنها لم تنجح خلال السنوات الماضية في تحقيق ما كانت تأمله إسرائيل وتسعى إلى تحقيقه. وبعيداً من الخطاب الإسرائيلي الدعائي بخصوص مفاعيل الاستراتيجية الإسرائيلية، فإن نتائجها الإجمالية سوف تدفع تل أبيب إلى إعادة دراسة خياراتها لتحديد وجهتها المستقبلية (استمرارها، اتساعها، مداها وساحاتها...)، وهو ما دعا اليه أكثر من خبير إسرائيلي مختص.

الرد الصاروخي
استناداً إلى ما أعلنته التقارير الإسرائيلية عن الصاروخ أرض ـــ أرض باتجاه الجولان السوري المحتل، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:
* للمرة الأولى منذ ليلة الصواريخ في أيار/ مايو الماضي، تردّ سوريا على الاعتداءات الإسرائيلية بهذا النوع من الصواريخ، إذ أفادت التقارير من تل أبيب بأنه صاروخ متوسط المدى، ذو رأس انفجاري يبلغ 500 كلغ. ويكفي أن نتخيل مفاعيل سيناريو فشل منظومة الاعتراض الصاروخي الإسرائيلي في اعتراضه، وأن يكمل الصاروخ طريقه إلى هدفه.
* أتى الصاروخ بعد الاعتداء الإسرائيلي الأول، وبعد مضيّ وقت طويل نسبياً بحسب بعض التقارير الإعلامية الإسرائيلية، وفي وضح النهار. كما أنه ليس له صلة بالانزلاقات الصاروخية التي كان يشهدها الجولان، بل هو مبادرة عملانية ـــ من موقع الرد ـــ كترجمة لقرار مدروس وهادف جداً في رسائله وآفاقه، التي ستكون محور بحث الأجهزة السياسية والعملانية والاستخبارية في تل أبيب.

رمزية الاعتداء الجديد تنبع من كونه الأول في ظلّ قيادة رئيس الأركان الجديد


* يؤشر تزامن إطلاق الصاروخ مع وجود نتنياهو في تشاد إلى إمكانية أن تكون إسرائيل فوجئت بتوقيت الرد على الأقل، وإن كانت لا تستبعده من حيث المبدأ. ولو كان الرد الصاروخي مرجّحاً في هذا التوقيت، لكان من المستبعد أن يفوّت نتنياهو الفرصة لاستغلاله من أجل توظيفه في الاستعراض السياسي والإعلامي على خلفيات انتخابية. وكنا سنشاهد صوره وهو ينزل من مروحية إلى جانب القادة العسكريين، أو وهو جالس مع القادة العسكريين يدير المواجهة.
* يدرك الإسرائيلي أن القيادة التي أصدرت أمر إطلاق الصاروخ لم تكن تتوقع أنه سيؤدي إلى ارتداع اسرائيل عن مواصلة هجماتها، بل يمكن أن يؤدي إلى اعتداء اسرائيلي واسع. وهو ما يعني أن الصاروخ ـــ الرسالة تحوّل إلى محطة جديدة في سياق الاشتباك السوري ـــ الإسرائيلي المتواصل. ويعني أيضاً أن هذه الجولة الصاروخية ستفهمها ـــ وفهمتها ـــ إسرائيل على أن هناك من يقول لها إن مستويات الرد والتصدي للاعتداءات الإسرائيلية قد لا تقتصر على مواجهة الصواريخ لإسقاطها، بل قد تأخذ منحى الرد الصاروخي. وهو مدخل يفتح الباب واسعاً جداً أمام سيناريوات التدحرج نحو مواجهة واسعة، لا يبعد أن ترتقي إلى مستويات كانت مستبعدة في العقل الإسرائيلي، وإن كان يستعد لها على قاعدة الاحتياط للأسوأ.
* المؤكد أن الصاروخ السوري رفع مستوى الخشية في إسرائيل من أن السيناريوات التي تم تداولها على طاولتي البحث والتخطيط ـــ من موقع التقدير النظري ـــ باتت أكثر قرباً إلى التحقق من أي وقت مضى، وأن ما قد تعتبره أجهزة التقدير الإسرائيلية مستبعداً للوهلة الأولى هو الأقرب إلى الواقع، وأن القيود التي تفترض وجودها تل أبيب وتستند إليها في بلورة خياراتها قد لا تكون إلا نتيجة مفاهيم تُضلّل إسرائيل نفسها بها. وهو ما يُعزّز إمكانية الوقوع في الحسابات والتقديرات الخاطئة، وعندها لن تكون المرة الأولى التي تفشل فيها تلك الاجهزة أمام اختبار الواقع.
* مع ارتفاع الحديث في إسرائيل عن ضرورة أن تدرس مؤسسة القرار خياراتها من جديد، انطلاقاً من أن المعركة بين الحروب استنفدت نفسها، يأتي الرد الصاروخي ليؤكد أن مسار التصدي للاعتداءات الاسرائيلية قد يكون دخل مرحلة جديدة. وهو ما من شأنه أن يعزز في وعي القادة الإسرائيليين التقدير بأن إسرائيل قد تواجه في المراحل التالية ما لم تواجهه في السابق.

الاعتداء الإسرائيلي المضاد
إدراكاً منها لخطورة ما قد يترتب على ظهور إسرائيل في موقع المتردّد، من انعكاسات استراتيجية، لم تنتظر القيادتان السياسية والأمنية طويلاً حتى بادرتا في أعقاب الرد الصاروخي إلى اتخاذ قرار باعتداء جوي وصاروخي أوسع. وأرادت بذلك تأكيد تصميمها على مواصلة خياراتها العدوانية. وهو موقف حرصت على إيصاله إلى موسكو ودمشق وطهران. مع ذلك، يفترض أن تل أبيب تدرك أن ما تقدم لن يلغي أو يُحجّم الرسائل التي حملها صاروخ الـ أرض ــ أرض، ولن يؤثر بصورة مجملة على خيارات التصدي والرد، بل قد يعني أن نافذة الفرص التي وفّرتها لها الجماعات الإرهابية، ومكّنتها من إنتاج وضع ميداني استراتيجي لممارسة هذا المستوى من الاعتداءات، تقترب من الانغلاق أو التفجير الواسع الذي سيطال جبهتها الداخلية. المفهوم الأساسي الذي يتبلور بشكل تراكمي هو أن مسار تطور الأداء الميداني السوري في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى إطلاق صاروخ الـ أرض ـــ أرض، يؤسّس لمرحلة جديدة من الكباش السوري ـــ الإسرائيلي، باتجاه بلورة قواعد جديدة في سياق الصراع، الذي سيبقى مفتوحاً مع العدو. وليس من المستبعد ـــ وفق الحد الأدنى من التعبير ــــ أن يؤدي هذا الكباش إلى مراحل من التصعيد والمزيد من الرسائل المتبادلة، وهو ما أكدته تقديرات المنظومة الأمنية الإسرائيلية التي رأت أن إيران ستكثف من ردود أفعالها على القصف الإسرائيلي المتواصل ضد أهدافها العسكرية في سوريا.