عند مدخل مدينة طرطوس في الساحل السوري، اعتقل حاجز أمني أول من أمس يوسف عبدلكي (القامشلي ـــ 1951) واثنين من رفاقه، هما: عدنان الدبس وتوفيق عمران، واقتيدوا إلى جهةٍ مجهولة. ويرجّح ناشطون أنّ الاعتقال أتى على خلفية توقيع التشكيلي السوري المعارض على بيان أعلن فيه 100 مثقف سوري (الأخبار 19/7/2013) تمسّكهم بـ«مبادئ الثورة» التي انطلقت منها الثورة الشعبية في آذار (مارس) 2011 ولخّصتها «شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية» في ضوء «تضحيات الشعب السوري ومعاناته الطويلة واستبساله في مقاومة الطغيان والعسف».


كما طالب موقعو البيان باستقلالية القرار السوري وعدم زجّه في صراعات إقليمية، و«تنحي الرئيس بشار الأسد وأركان حكمه، وتشكيل حكومة مؤقتة بإشراف الأمم المتحدة».
وفور انتشار خبر الاعتقال، أطلق مثقفون سوريون وعرب على مواقع التواصل الاجتماعي حملة تضامنية تدعو إلى الإفراج الفوري عن التشكيلي السوري المعروف ورفيقيه. وأصدر المكتب الإعلامي في «هيئة التنسيق الوطنية» المعارضة بياناً جاء فيه «اعتقلت الأجهزة الأمنية البارحة واليوم كلّاً من الزملاء: الفنان التشكيلي يوسف عبدلكي، وعدنان الدبس وتوفيق عمران عضوي المجلس المركزي لهيئة التنسيق الوطنية، وجميعهم من قادة حزب العمل الشيوعي في سوريا. إننا في هيئة التنسيق الوطنية ندين هذا الاعتقال التعسفي للمناضلين السلميين المذكورة أسماؤهم، ونطالب بإطلاق سراحهم فوراً. كما نطالب بتبيان مصير الدكتور عبد العزيز الخير ورفاقه، وخصوصاً أنّ أخباراً مقلقة حول حياته تتناقلها وسائل الإعلام. الحرية ليوسف عبدلكي، وعدنان الدبس، وتوفيق عمران.... الحرية للدكتور عبد العزيز الخير ورفاقه. الحرية لجميع المعتقلين في سجون النظام».
وكان يوسف عبدلكي أحد المثقفين السوريين القلائل الذين رفضوا مغادرة البلاد بعد انطلاق الاحتجاجات، معتبراً أن ما تشهده سوريا «كان لحظة مُنتظرة، وليس معقولاً أن تدير ظهرك، فيما البيت يحترق، وأن لحظة فريدة كهذه، محمّلة بالدم والأمل، تفرض على المرء البقاء، وليس الفرار». هكذا وجد في توثيق هذه اللحظة غرافيكياً عن كثب، فرصة استثنائية لاختبار عناصر جديدة في لوحته، رغم إصراره على الأبيض والأسود، جرياً على عادته منذ عقود. إذ لا يرى أنّ هناك ضرورة لمراجعة أدواته في توثيق «تراجيديا الموت»، وأن مراجعات من هذا النوع لا تتمّ بقرار. لكن نظرة عجلى إلى أعماله الجديدة، تكشف عن انخراطه بمفردات الموت السوري، وخصوصاً أعماله التي حملت عنوان «الشهيد» بأرقام متسلسلة. أعمال تنطوي على قدرة عالية في الإتقان والكثافة البصرية المكتنزة بالإشارات، رغم التقشف الظاهري للموجودات على السطح، فوراء هذه السكينة المراوغة، والموت المجلل بالصمت والعزلة والسخط، يكمن «جرح الأم المفتوح، وغصّة الأب المكتومة، وفجيعة الإخوة والأصدقاء».
يوسف عبدلكي الذي اعتُقل في أواخر سبعينيات القرن المنصرم بسبب انتمائه إلى الحزب الشيوعي، وعاش في المنفى نحو عقدين (من عام 1980 حتى 2005)، قبل أن يُسمح له بدخول البلاد، ها هو يعيش المحنة مرّة أخرى، لكن بتهمةٍ مختلفة، من دون أن يتخلى عن صلابته أو اقتناعه بأنّ دور الفن يتمثّل بكونه «شاهداً على الآلام، وربما مبشّراً بواقع مختلف عن طريق رصده معاناة البشر ويقيس منسوب الأمل في قلوبهم».