تتقدم منطقة المشرق إلى مستوى جديد من التوازن السياسي وغير السياسي. وجولة المواجهة الأخيرة، كرست ثنائية بين محورين. وصار الأميركيون مضطرين لأنّ يتنبهوا ليس فقط إلى مصالح حلفائهم في المنطقة، بل إلى مصالح بقية الاقطاب في العالم، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة من الاشتباك الصعب قبل أن يقر اللاعبون بحقوق كل واحد منهم.


اليوم، يتابع الأميركيون والروس المحادثات التفصيلية حول المبادرة الآيلة إلى «تعطيل السلاح الكيميائي» في سوريا. الخلافات ليست بسيطة، والآليات التي يفكر الأميركيون باعتمادها لا يمكن اقرارها كاملة. بل إنّ دمشق تنتظر مقابلاً لكل خطوة من جانبها. وكان لافتاً مسارعة الرئيس بشار الأسد إلى الاعلان عن ذلك صراحة في مقابلته مع الاعلام الروسي، أمس، عندما قال إنّ سوريا «تفكر بشكل جدي كدولة بتجنيب نفسها حرباً». واستدرك قائلاً: «لكن يجب أن يكون واضحاً للجميع أن الاجراءات» الخاصة بالمبادرة الروسية حول السلاح الكيميائي «هي بالنسبة لنا ليست من طرف واحد، إنه موضوع باتجاهين، ويعتمد بالدرجة الأولى على تخلي الولايات المتحدة عن سياساتها العدوانية تجاه سوريا».
ماذا سبق وماذا يحصل الآن وما هو مصير التسوية السياسية؟
تشرح مصادر مواكبة، أنّ الجانب الروسي أبلغ حلفاءه في طهران ودمشق بأنّ العدوان الذي تعدّ له الولايات المتحدة ليس محدوداً كما يشاع. بل هو جزء من عملية عسكرية وأمنية واسعة تستهدف في المرحلة الأولى انهاء سيطرة النظام على مناطق واسعة في سوريا، وخصوصاً في كل ريف ومداخل دمشق وباقي مناطق الجنوب، بالإضافة إلى عملية أخرى شبيهة في مناطق الشمال، والعودة إلى منطقة حمص.
وبحسب المصادر، فإنّ المعلومات التفصيلية التي توافرت للمعنيين من حلفاء دمشق، أشارت إلى عمل حثيث لتوفير أرضية بشرية وتقنية ولوجستية تتيح القيام بعملية واسعة في الوقت الذي تشمل فيه الضربة العسكرية عناصر تفوق النظام لناحية سلاحي الجو والمدفعية بالاضافة إلى مراكز القيادة. وهو ما استدعى المباشرة بخطة عمل مضادة، قال عنها الروس لاحقاً إنها «شملت استنفاراً سورياً وإيرانياً ومن جانب حزب الله نفذ بطريقة لافتة لناحية السرعة والنوعية والمساحة». وهو ما ترافق مع تنشيط عمليات ذات طابع أمني ــ عسكري، وهي تستهدف كل التجمعات المركزية والمهمة للمجموعات المسلحة في أكثر من منطقة قريبة من دمشق ومؤدية إلى مناطق نفوذ النظام في الشمال. وقد حصلت علميات نوعية بقيت خارج التغطية الاعلامية المناسبة، لكنها أدت إلى تعطيل الكثير من العناصر التي راهن عليها الغرب وحلفاؤه.
أما في ما خص عملية الحشد والتهويل القائمة من جانب الغرب، فقد أشارت المصادر إلى أنّ طهران كما دمشق وحزب الله وبعلم روسي، باشرت خطة استثنائية تخصّ الأسلحة الاستراتيجىة في سوريا، وقد بذل جهد خاص أتاح إعادة تنظيم هذه الأسلحة وتفعيلها بما يتناسب وحرباً واسعة وطويلة ومدمرة. وهو الأمر الذي ترافق مع تكثيف رسائل التحذير إلى الأميركيين وحلفائهم من نتائج أيّ ضربة.
وقالت المصادر إنّ الروس صارحوا الأميركيين، بأنّ إيران ومعها سوريا وحزب الله لن يوافقوا على أي ضربة، وهم في مناخ المواجهة المباشرة والواسعة. ولفت الروس الغربيين إلى أنّ موسكو نفسها لا يمكنها أن تقف على الحياد، وسوف تقف إلى جانب الحكم في سوريا، كما يقف الغرب إلى جانب حلفائه من المعارضة السورية.
على أن الأهم في ما ينقله المطلعون، هو ما يتعلق برسالتين بالغتي الأهمية والمغزى. الأولى قالها المرشد الأعلى في إيران السيد علي الخامنئي لسلطان عمان قابوس بن سعيد، ومفادها «أنّ من يريد تدمير سوريا، عليه توقع خسارة النفط والغاز في هذه المنطقة»، وهي عبارة أتت بعد التأكيد على أنّ «سوريا بالنسبة لإيران خط لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف».
أما بوتين، الذي شعر خلال الأسبوعين الماضيين بارتفاع هائل في شعبيته الداخلية بسبب «رد الاعتبار إلى موقع روسيا العالمي»، فقد صارح نظيره الأميركي باراك أوباما إلى حدود أنه قال له: «إنّ سوريا بالنسبة لنا اليوم، هي تماماً كإسرائيل بالنسبة اليكم». وتقول المصادر إنّ بوتين «تحدث بصراحة واسعة عن الخطر الذي يتهدد العالم وليس المنطقة في حال اعتدت الولايات المتحدة على سوريا وواصلت دعم الارهاب هناك».
المقايضة
كان واضحاً بالنسبة للروس والإيرانيين، أنّ اقناع الولايات المتحدة بعدم تنفيذ العدوان، وإعادة الاعتبار إلى الجهد السياسي، يتطلب مقايضة ممكنة ومريحة للجانبين. وعندما أثير ملف الأسلحة الكيميائية، ناقش الروس سبل تجاوز حالة التوتر هذه نحو إعادة تنشيط الجبهة السياسية. وهو ما تلقفه الأمين العام للامم المتحدة بان كي مون ومبعوثه الأخضر الابراهيمي. اللذان يعملان على:
أولاً: التثبت من جدية الأطراف كافة في التخلي عن خيار الحرب الواسعة، وتوفير ما يلزم من آليات عمل واجراءات وحتى مناخات تساعد على ذلك. وعلمت «الأخبار» في هذا السياق، أنّ الأمين العام للأمم المتحدة يمارس رقابة على فريق المفتشين الدوليين الذين زاروا سوريا للتحقيق في مجزرة الغوطة، وذلك خشية أن يخضع بعض أعضاء الفريق للضغوط الممارسة من جانب جهات راغبة بالحرب، مثل فرنسا وإسرائيل والسعودية وتركيا. وتفيد المعلومات بأنّ الضغوط تستهدف جعل تقرير المفتشين يتجاوز الحدود الخاصة به، والتي تجعله يجيب حصراً عن سؤال عما إذا كان ما حصل في الغوطة بفعل سلاح كيميائي أم لا.
وتشير المعلومات إلى أنّ الجهد الفرنسي ــ السعودي ــ الإسرائيلي يركز على أن يتضمن التقرير توصيفاً للأسلحة المستخدمة بما يقود إلى استنتاج بأن الأسلحة ليست متوافرة إلا بيد دول، ما يعطي الانطباع بأن التقرير يحمّل النظام في سوريا المسؤولية عن اطلاق السلاح الكيميائي.
ثانياًَ: العمل على انعاش جبهة مؤتمر «جنيف 2». وبعد سماع مناخات إيجابية على هامش قمة العشرين في روسيا، تلقى الإبراهيمي اتصالين من الأميركيين والروس يرحبون بالاجتماع به على هامش اجتماعاتهما في جنيف. وقد أبدى الإبراهيمي تفاؤله عندما وجد تجاوباً سريعاً من الجانبين الأميركي والروسي للمباشرة في مناقشة المبادرة الروسية. ثم إنه اجتمع بعد ظهر أمس بالوزير جون كيري، وسمع منه كلاماً وضعه في خانة الايجابي. قال كيري ــ بحسب المصادر ــ إنّ بلاده تركز الآن على ضمان سير المبادرة الروسية، وتوفير آليات نجاحها، وأن يتم اختصار زمن تطبيقها. وأضاف كيري: أنه في حال لمست الولايات المتحدة جدية روسية في هذا الموضوع وقدمت ضمانات بأنها سوف تتعاون في الملف السياسي، فإن واشنطن لا تمانع تفعيلاً سريعاً للمساعي الآيلة إلى عقد «جنيف 2». وسوف يلتقي الإبراهيمي قبل ظهر اليوم بالوزير الروسي سيرغي لافروف للغاية نفسها، وهو يسعى، أيضاً، إلى عقد اجتماعي ثلاثي مع كيري ولافروف أملاً بالخروج ببيان يشير إلى موعد تقريبي لدعوة السوريين إلى مؤتمر «جنيف 2».
إسرائيل والسعودية وتركيا
في المقابل، يبدو أنّ حلفاء الولايات المتحدة ليسوا في وارد التعايش سريعاً مع نتائج الجولة الأخيرة. ولكل من هذه الدول اهتمامه وتركيزه. فإسرائيل تهتم بايفاد خبراء من عندها للمشاركة في الاجتماعات مع الأميركيين بغية وضع لوائح شروط تضمن نزع وتدمير السلاح الكيميائي السوري، ومعه أيضاً الصواريخ الاستراتيجية. وترى إسرائيل أنها معنية بأن لا تقتصر الخسارة على بقاء الأسد، بل أن يكون لها انعكاس مناقض لمصالحها في إيران.
تركيا تبدي حرصاً على القول إنّ «معاقبة الأسد» ضرورية، لأجل ضمان عدم تكرار الأمر، ولأجل دفعه نحو تنازلات تتجاوز الملف الكيميائي. بينما تسعى السعودية ليس إلى عدم السير نهائياً بالمبادرة الروسية، بل بجعل الأمر يقتصر عند هذا الحد، وأن لا يشمل البحث التسوية السياسية من خلال «جنيف 2». ذلك لأنّ الجانب السعودي يرى أن واقع المعارضة العاملة تحت سلطته، لا يسمح لها بتحقيق نتائج جيدة في أي مؤتمر سياسي. وتسعى السعودية بالتحالف مع تركيا لأجل تحصيل دعم يتيح استئناف العمليات العسكرية قبل البحث في أي تسوية سياسية.
وفي الوقت الذي يقول فيه المعارضون المسلحون إنهم تلقوا «وعوداً جدية» من جانب واشنطن والرياض وعواصم غربية بأن يجري تعويضهم عن فشل الضربة بتوفير مساعدات عسكرية نوعية خلال وقت قريب، فإنّ الأمر نفسه يجري البحث فيه أيضاً. حيث علم أن الجانب الروسي الذي «يثمن عالياً التعاون الإيراني، وسرعة التجاوب السوري مع مبادرته»، أكد أنه لن يترك سوريا «من دون سلاح استراتيجي في مواجهة أعدائها». ومع أنّ المعنيين يرفضون الخوض في تفاصيل هذا الأمر، إلا أنّ المؤشرات تقود إلى «قرار روسي ــ إيراني بتعزيز القدرات العسكرية السورية بطريقة نوعية ومكثفة تتيح له تحقيق المزيد من النتائج على الأرض».