«عذراً أيها العالم»؛ عبارة كُتبت على لافتة عُلقت خارج منزل بوريس جونسون فور انتشار خبر تعيينه وزيراً للخارجية، مساء أول من أمس، وهي تعبّر عن حال الصدمة إثر اختياره. وشكل تعيين جونسون صدمة، ولا سيما أن كثيرين اعتقدوا بأنّ الرجل الذي قاد حملة التصويت لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي أفل نجمه بعدما رفض تولي منصب رئيس الوزراء. لكن جونسون المثير للجدل عاد من الباب العريض ليتسلم حقيبة الخارجية التي سيؤدي من خلالها دوراً رئيسياً في مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وبينما رأى متابعون أنّ تيريزا ماي تحاول من خلال هذا التعيين توحيد «حزب المحافظين» بعد شهور من الخلافات والانقسامات الحادة وتسعى إلى طمأنة البريطانيين بأن قرارهم بالخروج سيُحترم، فإنّ قرارها انتقدته أبرز العواصم الأوروبية.
وفي السياق، اتهم وزير الخارجية الفرنسي، جان مارك آيرولت، بوريس جونسون بأنه كذب على البريطانيين، مشدداً على أنه بحاجة إلى شريك «يتمتع بصدقية ويمكن الوثوق به». وقال آيرولت، في حديث إذاعي: «ليست لديّ أي مخاوف حول بوريس جونسون، لكنكم تعلمون أسلوبه وطريقته»، مضيفا إن جونسون «كذب كثيراً خلال الحملة على البريطانيين، وهو يواجه معضلة الآن للدفاع عن بلاده ولتوضيح العلاقة مع اوروبا». ورأى أنّ اختيار رئيسة الوزراء الجديدة لجونسون «دليل على الأزمة السياسية التي تمر بها بريطانيا بعد التصويت.... (لكن) علينا ألا نتوقف عند هذه النقطة، والعمل ليتم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في ظروف جيدة وليس على حساب المشروع الأوروبي».

انتقدت باريس وبرلين جونسون، فيما أملت موسكو طيّ صفحة الماضي

بدوره، وصف وزير الخارجية الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، جونسون بـ«السياسي العديم المسؤولية» إذ انه «دفع بالبلاد إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي وعندما حصل التصويت انسحب». وأضاف «بدل أن يتحمل المسؤولية، ذهب للعب الكريكيت. في الحقيقة هذا ليس فقط مؤسف لبريطانيا، بل للاتحاد الأوروبي كله». بينما قال رئيس الوزراء السويدي السابق، كارل بيلدت، في تغريدة على «تويتر»، إنه كان يأمل أن يكون تعيين جونسون «مجرد مزحة، ولكن للأسف ليست كذلك».
أما في موسكو، فقد أعلنت وزارة الخارجية أنّ روسيا تأمل أن يتمكن وزير الخارجية البريطاني الجديد من تحسين العلاقات الثنائية، بينما قال الكرملين إنه يعتقد بأن منصبه سيفرض عليه التخفيف من حدة لهجته. ومن المعروف أنّ جونسون كان قد انتقد سابقاً الرئيس فلاديمير بوتين، واصفاً إياه بأنه «طاغية قاس ومراوغ».
وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا: «ننتظر منذ فترة طويلة لطي صفحة لم تكن الأفضل في كتاب العلاقات الروسية البريطانية... لذلك، إذا أبدى الجانب البريطاني الرغبة والنية في هذا الشأن في ظل وزير الخارجية الجديد، فإننا بالتأكيد سندعم ذلك». بينما اعتبر المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، أنّ «كل بداية جديدة تمنح أملاً». وأضاف إنه «في دوره السابق لم يكن له (جونسون) أي تأثير على تشكيل ملامح السياسة الخارجية البريطانية، لكن عبء وظيفته الحالية سيجبره على الأرجح على التحلي بأسلوب حديث مختلف بعض الشيء يتسم بطبيعة أكثر دبلوماسية».
وبخصوص أنقرة التي من المعروف أيضاً أنّ لسلطاتها علاقة سيئة مع جونسون إثر كتابته قصيدة قبل أشهر هجا فيها الرئيس رجب طيب إردوغان، فإنّ وكالة «رويترز» نقلت عن «مسؤول تركي كبير» قوله إنّ «تصريحات (جونسون) السلبية عن إردوغان وتركيا غير مقبولة... لكننا متأكدون من أمر واحد هو أن العلاقات البريطانية التركية أكثر أهمية من ذلك، ولا يمكن أن تكون أسيرة لمثل هذه التصريحات». وأضاف المسؤول الذي طلب عدم كشف اسمه لحساسية الموقف، وفق «رويترز»، إنه «مع مسؤوليات جونسون الجديدة، نتوقع منه موقفاً أكثر إيجابية».
إزاء الصدمة والترقب الواضحين، يبدو أنّ بوريس جونسون اختار التهدئة، إذ اعتبر أنه رغم تصويت بريطانيا بتأييد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، فإنه يمكنها أن تلعب دوراً قد يكون أكبر في أوروبا، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن الولايات المتحدة تتفق مع هذا الرأي. وأضاف إنّ «هناك فرقاً كبيراً جداً بين الانسحاب من الاتحاد الأوروبي وعلاقتنا مع أوروبا، والتي أعتقد أنها ستقوى». وتابع قائلاً: «سعدت جداً بتلقي مكالمة هاتفية من الوزير (جون) كيري الذي وافق تماماً على هذا التحليل، وقال إن ما يريد أن يراه حقاً بعد الخروج من الاتحاد والمفاوضات... هو المزيد من الانفتاح الخارجي لبريطانيا ودور عالمي أكبر».