دشّنت إيران، مطلع الأسبوع الحالي، المرحلة الأولى ممّا يسمى «الشبكة المعلوماتية الوطنية»، بوصفها أكبر مشروع في مجال الاتصالات في البلاد. وتطمح من خلالها إلى إنشاء بنى تحتية اتصالاتية، بإدارة محلية مستقلة بشكل كامل، ومحصّنة بالمقارنة مع الشبكات الأخرى، مع إتاحة التعامل مع الشبكات الخارجية الأخرى، على نحو موجّه.

وفضلاً عن بطاقتها الاستيعابية العالية ذات النطاق العريض (4 آلاف غيغابيت في الثانية)، تتميّز هذه الشبكة بكلفة منخفضة، إضافة إلى خلق أمن للمحتوى المحلّي وزيادة حصة حركة البيانات المحلية، في إطار أمن إلكتروني واستقلالية تامة، يصعب خرقها من الخارج.
وتتضمّن المرحلة الأولى بدء عملية تسجيل الراغبين في استخدام شبكة الإنترنت الخاصة لملء بيانات أسمائهم وعناوينهم، وللتأكد منها. ومن المقرّر أن يلي هذه المرحلة، مرحلتان أخريان: الأولى في شباط المقبل 2017، أما الثانية ففي منتصف العام الإيراني المقبل بحسب التقويم الشمسي 1396 (يبدأ في 21 آذار). وتصل إيران بذلك إلى إتمام فكرة التصفية الذكية، التي كانت قد أطلقتها في أواخر عام 2014، والتي تهدف إلى فرض رقابة على المحتوى غير المرغوب فيه على مواقع الإنترنت، من دون حجبها تماماً.

نشأت الفكرة في الماضي على ما سُمّي «الإنترنت النظيف»

وفيما من المقرر أن تسمح هذه الشبكة بتنمية الخدمات المحلية للمحتوى المرئي بأسعار تنافسية منخفضة، فهي ستساهم أيضاً في تنمية الأعمال التجارية القائمة على تكنولوجيا المعلومات، مع تشكيل أمني لمراكز البيانات يصعب خرقه، وزيادة نوعية خدمات البنية التحتية الاتصالاتية للشركات المحلية. ومن الأهداف التي تطمح إليها إيران من هذه الشركة زيادة قدرات البنية التحتية والتسهيلات اللازمة لعمل الشركات المحلية، والانتقال إلى تنشيط الأسواق الإقليمية والدولية.
وعن بداية هذه الشبكة، يقول مهندس الاتصالات والخبير في شؤون الإنترنت والمعلوماتية محمد جواد متباحري لـ«الأخبار» إنّها نتاج 11 عاماً من عمل الحكومات المتعاقبة. ويوضح أن «الفكرة نشأت، في الماضي، على ما سُمي الإنترنت النظيف، والذي كان يهدف إلى عزل إيران تماماً عن الشبكات الخارجية والعالمية، في مجال الإنترنت والاتصالات، لكنه واجه رفضاً ومعارضة تامة من الشارع الإيراني والدول الصديقة، وحتى غير الصديقة». ويضيف أنه «بعد ضغوط المعارضين، جرى تعديل الفكرة، بحيث تحوّلت إلى طابع أكثر إيجابية، بعدما قرّر الخبراء زيادة السرعة والحجم، بكلفة أقل وحماية معلومات المستخدمين والدولة، من دون الانغلاق عن العالم الخارجي، بل الانفتاح عليه بشكل موجّه». ويعتبر الشق الأخير من أهداف الشبكة نوعاً من الحصانة القوية للشركات والمستخدمين، الأمر الذي يقف وراء رغبة الدول الكبيرة المتحكّمة بالإنترنت، في عدم إتمام المشروع.
متباحري يشير إلى أنه «طالما عانت إيران من قلّة سرعة الإنترنت، والأسعار المرتفعة لهذه الخدمة، وخصوصاً أن 60% من الشركات الإيرانية تستخدم مواقع وحسابات خارجية». ويقول: «اليوم ومع إنشاء شبكة محلية، أطلق عليها اسم (انت)، بإمكان إيران أن تصبح محطة معتمدة لدى كل الشعوب، على صعيد الإنترنت والاتصالات»، مؤكداً أنه «يجب أن لا ننسى أن أميركا لديها شبكتها الخاصة، وتسمى إنترنت 2». ويذهب الخبير في شؤون المعلوماتية إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن «من المتوقع أن تصل نسبة مستخدمي الشبكة المحلية إلى 80%، ويبقى الطابع السلبي عند من لا يرغب في الاستخدام المحلّي لأن هذه الشبكة ستجبر جميع الشركات على استخدامها».
من جهته، يعقّب رئيس قسم المعلوماتية في وكالة «مهر» للأنباء محمد قادري على الموضوع، قائلاً إن «هذه الشبكة ستحمل تغييراً مفصلياً على نظام الاتصالات والمعلومات في إيران». ويضيف أنه «فضلاً عن ضمان أمن المعلومات، يمكننا الاستفادة من جودة وسرعة أعلى في إرسال واستقبال المعلومات والأخبار وتيسير الوصول إلى المعلومة، من دون استخدام (البروكسي) لفتح المواقع المشفّرة». كما يشير إلى أنه «بعد 11 عاماً من الأخذ والرد والتعديل، جرى أخيراً إطلاق مراكز المعلومات ومراكز توزيع المحتوى، كخطوة أولى، على أمل أن نصل إلى شبكة محصّنة مستقلة، في منتصف العام المقبل». ولا يتوقع قادري أن يكون هناك أي عقبات أمام إطلاق الشبكة، بعد الآن، «نظراً إلى البنية التحتية القوية التي تمّ العمل عليها».