تحوّلت الإدارة الأميركية الحالية إلى شركةٍ كبيرة تدير صفقات هائلة لبيع الأسلحة الأميركية حول العالم، مع إطلاق الإدارة تغييراً لسياسة تصدير الأسلحة، يجري الإعداد له منذ عدة أشهر، هدفه الأساسي توسيع بيع الأسلحة للحلفاء وتعزيز قطاع الدفاع الأميركي، مع تجاهل عامل حقوق الإنسان.


ترامب...«مندوب المبيعات»
الأبرز في هذا التغيير الجديد، هو الدور الأساسي الذي يلعبه الرئيس دونالد ترامب في الترويج للأسلحة الأميركية، ودفعه بشكلٍ شخصي باتجاه عقد الصفقات، من خلال محادثاته مع زعماء الدول المستوردة للسلاح الأميركي.
وبالفعل، فقد ذهب ترامب في مكالماته الهاتفية ولقاءاته العلنية مع قادة دول العالم إلى مدى أبعد من أي رئيس أميركي سابق بارتداء عباءة «مندوب المبيعات» لصناعة السلاح الأميركية. أما ما تغيّر الآن، فهو أن الرئيس حصل على تأييد الحكومة الكامل لدوره الشخصي المباشر في دفع صفقات السلاح، في اتصالاته واجتماعاته بزعماء الدول.
يقول المسؤولون الأميركيون إن الدور الشخصي الذي يلعبه ترامب يؤكد عزمه على زيادة صادرات الأسلحة التي تحتل بها الولايات المتحدة حالياً بالفعل مكانة مهيمنة في تجارة السلاح العالمية، وذلك رغم المخاوف التي يبديها المدافعون عن قضايا حقوق الإنسان والحد من انتشار السلاح. رغم أن العديد من الرؤساء ساعد في الترويج لصناعة العتاد الدفاعي الأميركي، فلم يُعرف عن أحد منهم أنه فعل ذلك بلا خجل أو مواربة مثل ترامب، قطب صناعة العقارات السابق الذي يبدو وهو يروّج للبضائع الأميركية على سجيته أكثر من أي وقت آخر. وفق بياناتٍ للبيت الأبيض، فإن ترامب يناقش بانتظام تفاصيل صفقات السلاح مع قادة دول أخرى، سواء في اجتماعات مباشرة أو عبر الهاتف.
على سبيل المثال، وفي مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، في فلوريدا، أول من أمس، قال ترامب إن إدارته تعمل لتسريع وتيرة العملية البيروقراطية في وزارتي الخارجية والدفاع للتعجيل بتنفيذ صفقات مبيعات السلاح لليابان ودول أخرى حليفة. وفي مناسبة أخرى، خلال لقاء في المكتب البيضاوي مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الشهر الماضي، رفع ترامب لافتات عليها صور لطائرات وسفن وطائرات هليكوبتر أميركية وغيرها من العتاد الحربي، الذي باعته الولايات المتحدة للسعودية. وقال للصحافيين، متباهياً والأمير يجلس مبتسماً بجواره: «نحن نصنع أفضل منتج عسكري في العالم».

تفاصيل المبادرة
عدا عن الدور المميّز للرئيس الأميركي، تسمح هذه المبادرة أيضاً لمزيد من الدول بشراء السلاح الأميركي. وتشدد إدارة ترامب على أن الغايات الرئيسية لهذه الاستراتيجية هي:
مساعدة شركات العتاد الدفاعي الأميركية على التنافس بشكل أفضل في مواجهة الشركات الروسية والصينية التي تتزايد جرأتها في التسويق
منح الشركات الأميركية دعماً أكبر من ذي قبل لتحقيق فوائد اقتصادية من مبيعات السلاح، بإتاحة المزيد من فرص العمل داخل البلاد
وفق ما نقلت «رويترز» عن مسؤولين، فإن تحقيق تلك الأهداف المذكورة يتمّ عبر:
تخفيف قواعد تصدير عتاد يراوح بين الطائرات المقاتلة والطائرات بلا طيار والسفن الحربية وقطع المدفعية
المبادرة تتضمن، أيضاً، طرح خطوط إرشادية يمكن أن تسمح لعدد أكبر من الدول بالحصول على موافقات أسرع على الصفقات، وربما تقلّل فترة استكمال الصفقات إلى أشهر بدلاً من سنوات، كما كان يحدث في كثير من الأحيان
الاستراتيجية الجديدة ستدعو أعضاء حكومة ترامب إلى القيام في بعض الأحيان بدور الوسطاء للمساعدة في إتمام صفقات السلاح الكبرى
سيتم إيفاد المزيد من كبار المسؤولين في الحكومة إلى الخارج للترويج للسلاح الأميركي في معارض الطيران وأسواق السلاح العالمية
يريد معاونو ترامب، أيضاً، أن يشارك عدد أكبر من كبار المسؤولين في معارض السلاح العالمية الكبرى، بما في ذلك وزير الدفاع جيم ماتيس ووزير التجارة ويلبور روس، للترويج للسلاح الأميركي الصنع، مثلما تفعل دول مثل فرنسا وإسرائيل للترويج لما تنتجه شركاتها
الحدّ من الإجراءات البيروقراطية لضمان صدور الموافقات على نحو أسرع على مجموعة أوسع من العتاد العسكري للدول الأعضاء في «حلف شمال الأطلسي» والسعودية ودول خليجية أخرى، بالإضافة إلى الدول الموقّعة على معاهدات مع الولايات المتحدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية وغيرهما

ترامب: «نحن نصنع أفضل منتج عسكري في العالم»(أ ف ب )


يأتي هذا الدور الموسّع الممنوح للإدارة الأميركية ولكبار المسؤولين فيها بهدف تسريع الموافقات على صفقات الأسلحة، مع إعطاء أهمية أكبر لمصالح الأعمال في قرارات البيع. يترافق ذلك مع تخفيف القيود المتعلّقة بحقوق الإنسان، التي أدت في بعض الأحيان إلى رفض صفقات سلاح بعينها، لتتساوى في ظل السياسة الجديدة مع اعتبارات أخرى، منها احتياجات الدول الحليفة والخسائر الاقتصادية التي ستتكبّدها الشركات الأميركية في حالة عدم الموافقة على الصفقة.
في السياق، أشارت وكالة «رويترز» إلى أنه رداً على طلب للتعليق في هذا التقرير، قال مسؤول في البيت الأبيض إن «هذه السياسة ترمي إلى تعبئة كل موارد الحكومة الأميركية وراء عمليات نقل السلاح، التي هي في صالح الأمن القومي والاقتصادي الأميركي». المسؤول أضاف: «نحن نقرّ بأن عمليات نقل السلاح قد يكون لها عواقب مهمة على صعيد حقوق الإنسان. ولا شيء في هذه السياسة يغير الشروط القانونية والتنظيمية القائمة في هذا الصدد».
هذه الخطط ليست جديدة، فقد عكف المسؤولون على تجهيزها منذ سنوات، وكان لمستشار البيت الأبيض لشؤون التجارة، بيتر نافارو، دور كبير في دفعها، وهو من يعرف بدوره الكبير في دفع الإدارة الأميركية إلى اتخاذ موقف تجاري أكثر صرامة من الصين.
من جهة ثانية، قال مسؤولون في البيت الأبيض إن من المتوقع أن يعتمد ترامب وثيقة منفصلة، بخلاف مبادرة تصدير السلاح، لتخفيف قيود تصدير الطائرات الحربية بلا طيار التي أصبحت تتصدر قوائم مشتريات السلاح لدى الحكومات الأجنبية.

المستفيدون
من بين الشركات التي ستستفيد من السياسة الجديدة، «بوينغ» و«لوكهيد مارتن» و«ريثيون» و«جنرال داينامكس» و«نورثروب غرومان». وفي مكالمة هاتفية مع أمير الكويت، في شهر كانون الثاني الماضي، حثّ ترامب الأمير على التحرك لتنفيذ صفقة تعطلت لأكثر من عام تشتري فيها الكويت مقاتلات أميركية قيمتها عشرة مليارات دولار. ووفق عدة أشخاص مطّلعين على سير الصفقة، فإن تصرّف ترامب كان نابعاً من الحرص على مصالح شركة «بوينغ»، ثاني أكبر شركات العتاد الدفاعي الأميركية، والتي أصابها الشعور بخيبة الأمل لتعثر هذه الصفقة التي تأجّلت طويلاً، وتعدّ محورية لمواصلة نشاط شعبة الطائرات الحربية.
من جهة ثانية، ارتفعت أسهم شركات العتاد الدفاعي الأميركية الكبرى، عقب نشر تقرير وكالة «رويترز» عن المبادرة الجديدة، في وقتٍ سابق من هذا الأسبوع، وبلغ سهم شركة «ريثيون» أعلى مستوى له على الإطلاق. كذلك، ارتفعت أسهم هذه الشركات كلها بنسب تتجاوز عشرة في المئة، وعلى رأسها سهم «بوينغ» الذي تضاعف سعره منذ تولى ترامب الرئاسة في كانون الثاني 2017.

صفقة «بوينغ»... عيّنة
تبيّن الكيفية التي وجدت بها صفقة «بوينغ» مع الكويت طريقها إلى جدول أعمال مكالمة ترامب مع أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، في 17 كانون الثاني، مدى الجدية التي تأخذ بها الإدارة الأميركية حملة تصدير السلاح.
فقد صدرت موافقة وزارة الخارجية في تشرين الثاني 2016، أي في الأشهر الأخيرة من عهد إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، على شراء الكويت 40 طائرة مقاتلة هجومية «سوبر هورنيت» من طراز «إف/إيه-18». غير أن مسؤولين أميركيين ومصادر في الصناعة قالوا لـ«رويترز» إن شواهد أشارت إلى أن الكويت تماطل في المفاوضات، ولم تستكمل إجراءات الصفقة بحلول موعد زيارة الأمير للبيت الأبيض، في أيلول الماضي.
في ذلك الوقت، قال ترامب للصحافيين إنه تدخل بناءً على طلب من أمير الكويت، وحصل على موافقة وزارة الخارجية على الصفقة، وهو قول زائف، لأن موافقة الوزارة صدرت بالفعل قبل ذلك بما يقرب من عام. وفق مسؤولين من المطلعين على التطورات، فإن «بوينغ» وجهت بعد ذلك بأشهر طلباً لتدخل رئاسي لدى الكويت إلى معاوني مجلس الأمن القومي، الذين أدرجوا المسألة ضمن «نقاط الحديث» خلال المكالمة التي جرت وقائعها بين ترامب وأمير الكويت في كانون الثاني. وفي تلك المرة، استطاع ترامب ترجيح الكفة. فبعد أيام فقط، ذكرت وسائل إعلام رسمية كويتية أن الصفقة أُبرمت.