أعاد دونالد ترامب المنطقة إلى مرحلة قديمة ــ جديدة. لغة التصعيد والعقوبات حلّت مكان التهدئة النسبية مع إيران. تهدئة لم تدم أكثر من ثلاث سنوات. وفي وقت مستقطع قد لا يطول لصياغة الردّ الإيراني، ستقوم طهران باستطلاع الموقف الأوروبي حول كيفية الحفاظ على ما بقي، على الرغم من أن حظوظ الدبلوماسية الإيرانية تبدو شبه معدومة. هذه الأجواء ليست مفصولة ــ إيرانياً بالحد الأدنى ــ عن السعار الإعلامي والعسكري الإسرائيلي. تل أبيب، وخلفها الرياض، تريد الاستفادة من «الإمضاء الترامبيّ» في حربها المفتوحة ضد طهران على حدودها. الأجواء المشحونة لا تشي أكثر التوقعات الإيجابية بأنها ستبرد قريباً في منطقة يتصارع أقطابها على حافة الهاوية.

فَعَلها دونالد ترامب. وَعَد ووفى. قَلَب الرئيس الأميركي الطاولة على الجميع. في خطاب أمس، أعلن سيد البيت الأبيض تمزيق واشنطن «خطة العمل المشتركة الشاملة»، مُنقلِباً على الاتفاق النووي الموقَّع في نيسان 2015. ضَرَب عرض الحائط بما يصفه معظم المسؤولين في العالم بـ«الإنجاز الدبلوماسي التاريخي»، بمن فيهم مسؤولو إدارة باراك أوباما، ولا سيما وزير الخارجية جون كيري، الذي رافق، قبل أيام، نظيره الإيراني محمد جواد ظريف في جولات مكوكية سعت إلى إنقاذ جهدهما الممتد لسنتين. أغلق ترامب الباب على حقبة التهدئة النسبية، مُدشِّناً مرحلة عنوانها الحرب والعقوبات.
فرحة كبيرة دوّت في تل أبيب والرياض، حيث خرج الترحيب بما يَعدّه الثنائي «إنجاز» تبني ترامب وجهة نظرهما، الذي يعزّز صعود «جبهة الحرب» الثلاثية بوجه الجمهورية الإسلامية. لم يكترث ترامب لكل الوساطات الأوروبية التي لاحقته حتى آخر ساعات قبيل خطابه، كذلك لم تثنِه المعارضة الداخلية للانسحاب، وقد شملت فئة من الجمهوريين، فضلاً عن استطلاعات رأي أظهرت أكثرية أميركية لا ترغب في الخروج. أبلغ ترامب الوسيط الفرنسي بالقرار، في اتصال بالرئيس إيمانويل ماكرون قبل ساعات فقط من خطابه، لكنه نجح في التكتم على خطوته التي شابهت في سرّيتها «الأوامر الملكية» العربية، حتى إن مقرّبين من فريقه بدت تسريباتهم للصحافة الغربية في الأسابيع الماضية متناقضة وغير حاسمة.
فجّر ترامب قنبلته ومضى، مُخلِّفاً أسئلة مدوية، أهمها في المنطقة حيث تحتاج إيران إلى صياغة ردها المناسب. ردٌّ لا بد أن يكون «عقلانياً»، كما أكد مسؤولون إيرانيون؛ إذ تحتاج القيادة الإيرانية أكثر من أي وقت مضى إلى أعصاب حديدية للتعامل مع الإعلان الأميركي. في طهران، خيبة أمل كبيرة من التعامل الفاشل مع الولايات المتحدة، تجلّت في مجلس الشورى (البرلمان) الذي طالب أعضاء فيه بإلزام الحكومة برد عالي اللهجة. إلا أن حسابات حكومة الرئيس حسن روحاني تنصبّ على ترقب لما ستؤول إليه العقوبات، وفق حسابات اقتصادية تحاول تجنّب العودة إلى حصار محكم يُعاد فيه الإضرار بالاقتصاد الإيراني الذي بدأ مبكراً يتلمس تداعيات القرار من خلال هبوط العملة المحلية وانخفاض أسعار البترول. بناءً على هذه الحسابات، خرج الموقف المتروي من كل من إيران والاتحاد الأوروبي والترويكا الغربية.

رفضت تركيا قرار ترامب فيما ربطته روسيا بحسابات سياسية


بعد إعلان ترامب، سيحتاج بقية الشركاء في الصفقة إلى نسج تفاهمات حول كيفية المضي في الاتفاق بصيغة تحصّن «العوائد» التجارية والاقتصادية المتبادلة، وهو ما لمّح إليه روحاني أمس، فيما أبدى زعماء بريطانيا وفرنسا وألمانيا حرصهم على بقاء الاتفاق، داعين الولايات المتحدة إلى «عدم المساس بهيكله وتجنب اتخاذ إجراءات تعرقل تنفيذه». لكن الحرص الإيراني - الأوروبي على المصالح الاقتصادية لن يَسْلم في مقبل الأيام من الضغوط الأميركية، ما يجعل الاتفاق عرضة لردّ إيراني مختلف، لوّح به روحاني في كلمته، حيث أكد أن بلاده سيكون لها «موقف مختلف» إن رأت أن الاتفاق لم يعد يحقق مصالحها. موقف صرّح به كذلك ظريف الذي قال إن «معطيات المستقبل هي التي ستحدِّد شكل ردّ طهران على انسحاب ترامب».
في وزارة الخزانة الأميركية، يجري إعداد عقوبات يمكن وصفها بالأكثر إيلاماً للاقتصاد الإيراني، فضلاً عن عودة الإجراءات السابقة بعد قرار ترامب عدم التوقيع على تعليق العقوبات، ما يهدّد الشركات الأوروبية التي تنوي التعامل مع إيران أو العمل فيها. وهذا الموقف لم يُخفِه مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، أمس، حين خرج مُهدِّداً هذه الشركات بأن أمامها شهوراً للانسحاب من إيران، منبّهاً إلى أن العقوبات ستُستأنف «من الآن»، وتخضع لها كل العقود الموقّعة. وكذلك فعلت وزارة الخزانة التي سارعت إلى إنذار الشركات الأوروبية بضرورة تجميد أنشطتها الاقتصادية في إيران خلال 90 إلى 180 يوماً.
الاستحقاق الاقتصادي والسياسي الداهم على إيران يستدعي حواراً موازِياً للحوار مع الأوروبيين مع كل من روسيا والصين، بهدف الترتيب لسياسات تتكيف والمرحلة الجديدة. وهو ما يتطلب جهداً دبلوماسياً حثيثاً من وزير الخارجية الإيراني الذي أعلن أمس «جولة دبلوماسية» من أجل «اختبار إمكانية أن تضمن الأطراف الموقعة للاتفاق أهدافنا منه»، موضحاً أن الرد الإيراني سيكون مرهوناً بنتائج هذه الجولة. وإلى جانب رفض فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا القرار «الترامبي»، حظيت طهران بتضامن الجار التركي الذي رأى أن «قرار ترامب سيزعزع الاستقرار ويخلق صراعات جديدة»، فيما اعتبرت موسكو أن القرار «لا علاقة له بالنووي الإيراني، بل بتصفية حسابات سياسية مع طهران»، مؤكدة أنها «ستواصل تطوير علاقاتها مع إيران».
مقابل الأمل المتضائل بنجاح حوار أوروبي - إيراني مرتقب في الإبقاء على الاتفاق حياً، يكون ترامب قد أعاد «قواعد الاشتباك» إلى ما كانت عليه قبل ثلاث سنوات. لكن الأخطر أنه حدّد الشرق الأوسط، وفق استراتيجيته الجديدة التي قال إنها ستكون أكثر حزماً حيال إيران، كمسرح للمواجهة. وبذلك باتت إيران، الحاضرة بقوة أمضى من السابق في المنطقة وبشكل مباشر وأكثر فاعلية، وجهاً لوجه مع المثلث الأميركي - الإسرائيلي - السعودي. لكن لغة «الحرب» الأميركية لا يُعرف لأي مدى يمكن إدارة ترامب المضي فيها، في ظل توافر جعبة الإيرانيين على خيارات من غير الصنف الهادئ الذي يعبّر عنه فريق روحاني، ليبقى الثابت في كل ذلك أن هدف ترامب من خطوته، أي «صياغة اتفاق جديد»، لا يحظى بتجاوب إيران التي أكدت أن واشنطن لن تحصل على «نص أفضل».