ضاعت حصيلة اجتماع «الناتو» في بروكسل يومي 11 و12 تموز، وسط هوس الإعلام بكلام الرئيس دونالد ترامب الطنان، لكن يستحقّ «إعلان القمّة» قراءة رصينة. نقل الإعلام أنّ الوثيقة المتكوّنة من 28 صفحة أعلنت «رفع التأهب العسكريّ»، وأنّها حملت «نقداً قاسياً تجاه روسيا» من دون تفاصيل أكثر، لكن التفاصيل مهمّة لأنّ الشيطان يكمن فيها.

أحد تلك التفاصيل هو «مبادرة التأهب» التي ستعزّز القوات البحريّة والجويّة والبريّة في «الجزء الشرقيّ للحلف». يتجه «الناتو» لوضع قوات في: لاتفيا، إستونيا، ليتوانيا، تشيكيا وبولندا. وبما أنّ جورجيا وأوكرانيا دُعيتا للانضمام إلى الحلف، قد ينتهي الأمر بنشر بعض تلك القوات على حدود روسيا الغربيّة والجنوبيّة، ويستحقّ ذلك أن نتوقّف عنده. تخلص دراسة حديثة صادرة عن «شبكة القيادة الأوروبيّة ــــ إي إل إن» بعنوان «تصوّر حدوث صراع بين روسيا والناتو» إلى أنّ «علاقة الردع الحاليّة بين روسيا والناتو غير مستقرّة وخطيرة». و«إي إل إن» هو مركز أبحاث مستقل يجمع قادة عسكريّين ودبلوماسيّين وسياسيّين، ويعمل على رعاية حلول «تشاركيّة» تخصّ مسائل الدفاع والأمن.
ويوجد على رأس قائمة المخاطر التي تضعها الدراسة وقوع «صراع غير مقصود»، والذي يخلص المركز إلى أنّه «يمكن أن يكون أكثر السيناريوات احتمالاً لتفجّر» أعمال عدائيّة. وتجادل الدراسة أنّ «الاقتراب الشديد بين القوات الروسيّة والناتو» يمثّل مصدر قلق كبير، «كذلك حقيقة أنّ روسيا والناتو يهيئان تموضعاتهما العسكريّة باتجاه ردّ الفعل المبكّر، ما يزيد من إمكانيّة حصول تصعيد سريع». مع وجود القوات وجهاً لوجه، «يمكن أن تتحوّل الأزمة إلى صراع نتيجة لأفعال قادة إقليميّين أو قادة عسكريّين في المستويات المحليّة أو أن يكون ذلك نتيجة حادث فجائيّ». وقد شهد العام الماضي وفقاً لـ«شبكة القيادة الأوروبيّة» وقوع 60 حادثاً مماثلاً. وثيقة «الناتو» قاسية فعلاً على روسيا، حيث تتحدث عن «إلحاقها غير القانونيّ وغير الشرعيّ للقرم»، وعن «أنشطتها العسكريّة الاستفزازيّة، بما في ذلك تلك القريبة من حدود الناتو»، وعن «استثماراتها المهمّة في تحديث قوتها (النوويّة) الاستراتيجيّة». ويحتاج تفكيك ذلك إلى العودة قليلاً إلى التاريخ، وليس اتباع ما يقوله الإعلام.
تعود القصّة إلى أكثر من ثلاثة عقود، أي إلى سقوط جدار برلين وتوحيد ألمانيا. حينها، كان يوجد حوالى 380 ألفاً من القوات السوفياتيّة في جمهوريّة ألمانيا الديموقراطيّة كجزء من اتفاقيّة إنهاء الحرب العالميّة الثانية، وخشي السوفيات من أنّ سحبها قد يمثّل تهديداً لحدود الاتحاد، فقد تعرضت روسيا للغزو ــــ ودفعت ثمناً باهظاً ــــ ثلاث مرات في فترة تتجاوز قليلاً قرناً من الزمن.
لذلك، عقد مستشار ألمانيا الغربيّة هيلموت كول ووزير الخارجيّة الأميركيّ جيمس بيكر ورئيس الاتحاد السوفياتيّ ميخائيل غورباتشوف صفقة، حيث وافق السوفيات على سحب القوات من أوروبا الشرقيّة، شرط ألّا يحلّ مكانها «الناتو»، أو ينتدب أعضاء من حلف وارسو الذي يهيمن عليه السوفيات. وعد بيكر غورباتشوف بأنّ «الناتو» لن يتحرّك «إنشاً واحداً باتجاه الشرق».
لم يُدوّن الاتفاق قطّ، لكن تمّ اتباعه عمليّاً. بقي «الناتو» إلى الغرب من نهرَي أودر ونيس، وعادت القوات السوفياتيّة إلى روسيا، وحُلّ حلف وارسو في 1991. لكن، انقلب الرئيس بيل كلينتون على كلّ ذلك في 1999 عندما تدخلت الولايات المتحدة و«الناتو» في الحرب الأهليّة بين الصرب والألبان في مقاطعة كوسوفو الصربيّة. ومتدثراً بعقيدة «مسؤولية الحماية» الأميركيّة، أطلق «الناتو» حملة قصف مكثّف ضدّ صربيا امتدت لأحد عشر أسبوعاً.  
من وجهة نظر موسكو، لم تكن الحرب ضروريّة. كان الصرب ينوون سحب قواتهم وإعادة الحكم الذاتي لكوسوفو. لكنّ «الناتو» طالب بوجود قوات احتلال لا يُطبّق عليها القانون الصربيّ، وهو أمر لا يمكن للصرب القوميّين الموافقة عليه أبداً. عمليّاً، حمل ذلك الطابع الاستفزازيّ نفسه الذي عاملت به الإمبراطوريّة النمسويّة المجريّة الصرب في 1914، وكانت نتيجته إطلاق الحرب العالميّة الأولى. في نهاية المطاف، اقتطع «الناتو» جزءاً من صربيا ليخلق كوسوفو ويعيد رسم خريطة أوروبا ما بعد الحرب العالميّة الثانية، وهو بالضبط ما يتهم به روسيا باستيلائها على القرم.
لكنّ «الناتو» لم يقف عند ذلك الحدّ، حيث انتدب في عام 1999 أعضاء سابقين في حلف وارسو، هم: هنغاريا وبولندا وتشيكيا، وبلغاريا ورومانيا في ما بعد. وبحلول نهاية 2004، صارت موسكو تواجه «الناتو» في لاتفيا وليتوانيا وإستونيا من الشمال، وبولندا من الغرب، وبلغاريا وتركيا من الجنوب. منذ ذلك الحين، انضم إلى التحالف سلوفاكيا وسلوفينيا وألبانيا وكرواتيا والجبل الأسود، ودعيت جورجيا وأوكرانيا ومقدونيا والبوسنة والهرسك لتقديم طلب انضمام.
وعندما تلوم وثيقة «الناتو» على روسيا أنشطتها العسكريّة «الاستفزازيّة» بالقرب من حدود الناتو، فهي تشير إلى المناورات التي تجريها ضمن حدودها أو حدود أحد حلفائها القليلين، بيلاروسيا.
وكما يشير الكاتب ومحلل السياسة الخارجيّة أناتول ليفين، بإمكان «أيّ طفل حتّى» أن ينظر إلى خريطة أوروبا في 1988 ويرى «أيّ الطرفين تقدّم وفي أيّ اتجاه».
ويتهم «الناتو» روسيا أيضاً بـ«مواصلة الحشد العسكريّ في القرم»، من دون إشارة إلى إمكانيّة أن تكون تلك التحركات ردّاً على ما تطلق عليه وثيقة الناتو «الزيادة المهمة في حضور الناتو وأنشطته البحريّة في البحر الأسود». ويقع أكبر ميناء بحريّ روسيّ في البحر الأسود في سيفاستوبول في القرم.
لا يتوقّع المرء أن تتحلى وثيقة مثل هذه بالإنصاف، لكن هذه بالذات تحمل انقطاعات مقلقة. من الصحيح أنّ الروس يُحدّثون أسلحتهم النوويّة، لكنّ إدارة أوباما بادرت الى ذلك في 2009 من خلال برنامج كلفته 1.5 تريليون دولار معدّ لترقية أنظمة أسلحة أميركا النوويّة. وكلا البرنامجين فكرة سيئة. وتهدف اللغة المستخدمة في بعض أقسام الوثيقة حول روسيا إلى توفير مزيد من الاعتمادات، حيث اتفق أعضاء «الناتو» على ضخّ مزيد من المال فيه، وقد سبق القرار نوبة غضب ترامب في بروكسل حول الإنفاق.
يوجد كذلك بعض التفكير الرغبويّ حول أفغانستان ــــ «بعثتنا للدعم الحازمة تحقق نجاحاً» ــــ في حين نادراً ما كانت الأوضاع أسوأ. وتوجد إحالات غامضة حول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من دون ذكر تفاصيل محدّدة، لكن ذلك ليس إلّا تذكيراً بأنّ «الناتو» لم يعد مقتصراً على مهمّته التي وضع لتحقيقها: الإبقاء على الأميركيّين فيه، والروس خارجه، والألمان في انحدار.
لا يزال الأميركيّون ضمنه ــــ يجب التعامل مع تهديد ترامب بالانسحاب بكثير من الشكّ ــــ ولا يوجد دليل جديّ على أنّ الروس خطّطوا للانضمام، وصار الألمان في صعود منذ انضمامهم في 1955، وقد كان ضمّ ألمانيا شرارة تكوين حلف وارسو.
وبينما تُصوّر موسكو كغريم عنيف، يحاصر «الناتو» روسيا من ثلاث جهات، وينشر أنظمة مضادة للصواريخ في بولندا ورومانيا وإسبانيا وتركيا والبحر الأسود، ويحظى بأفضليّة 12 مقابل 1 على مستوى الإنفاق. وبوجود قوات الطرفين على مسافة قريبة من بعضهما، لن يمضي وقت طويل حتى تنشأ سلسلة من ردود الفعل قد تنتهي بصراع نوويّ. مع ذلك، وبدلاً من الدعوة إلى الحوار، تتباهى الوثيقة بأنّ الحلف «علّق كلّ أشكال التعاون المدنيّ والعسكريّ العمليّ بين الناتو وروسيا».
يبدو الحلّ واضحاً، أولاً عودة الانتشار العسكريّ إلى الشكل الذي كان عليه في 1998. ورغم أنّ من المستبعد أن يسحب الأعضاء السابقون في حلف وارسو عضويتهم من «الناتو»، يمكن لسحب القوات الأجنبيّة من دول الناتو المجاورة لروسيا تهدئة الأوضاع. وثانياً، إزالة الأنظمة المضادة للصواريخ التي كان من المفترض عدم نشرها أصلاً. في المقابل، يمكن لروسيا إزالة صواريخ إسكندر المتوسطة المدى التي يتذمر منها «الناتو»، والموافقة على عقد محادثات بهدف التخفيض من الترسانة النوويّة الاستراتيجيّة. لكن يجب على المدى الطويل إعادة التفكير بالأحلاف. ولد «الناتو» من رحم الحرب الباردة، عندما كان الغرب يعتقد بأنّ السوفيات يمثلون تهديداً. لكن روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفياتيّ، ولا يمكن أن تكون موسكو غبيّة إلى درجة مهاجمة قوّة عسكريّة متفوّقة عليها. لقد حان الوقت ليسلك «الناتو» طريق حلف وارسو ويعترف بأنّ طرق التفكير القديمة ليست فقط عتيقة، بل كذلك خطرة.
* صحافيّ مستقل حاصل على جوائز عديدة، أشرف على برنامج تدريس الصحافة في جامعة سانتا كروز ــــ كاليفورنيا لمدة 23 عاماً، النص نقلاً عن مدوّنته