اعتاد الشرق الأوكراني على اغتيال قادة استقلاله في السنوات الأربع الأخيرة منذ انطلاق التمرد على سلطات كييف، لكنّ لاغتيال رئيس «جمهورية دونيتسك الشعبية» المُعلَنة من طرف واحد، ألكسندر زاخارتشنكو، يوم الجمعة الفائت، طعماً مختلفاً؛ لأهمية زاخارتشنكو بالنسبة إلى شعب الدونباس، ولأن الحدث يعيد إلى الواجهة نزاعاً بات «بارداً» ومجهول الأفق، ويجسّد في الوقت نفسه صراعاً بين روسيا والغرب.

وقع اغتيال زاخارتشنكو قبل يومين بتفجير في مقهى «سيبار» في مدينة دونيتسك، وهو استهدف كذلك وزير المال في جمهورية دونيتسك، دنيبرس تيموفيف، الصديق المقرّب من زاخارتشنكو، كما أسفر الانفجار أيضاً عن مقتل حارسه الشخصي وإصابة 12 شخصاً بجروح. وفيما لم تُكشَف بعد تفاصيل الجريمة، اتهمت موسكو، كييف، باغتيال زاخارتشنكو. وسارع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى إرسال التعازي، واصفاً زاخارتشنكو بأنه «قائد حقيقي للشعب ورجل شجاع وحازم». ورأى أن مقتله يشير مجدداً إلى أن من اختار «طريق الإرهاب والعنف» لا يمكن أن يبحث عن «تسوية سياسية سلمية»، ولا يريد «حواراً حقيقياً» مع سكان الجنوب الشرقي الأوكراني، بل يراهن على «تركيع شعب دونباس، لكنهم لن ينجحوا في ذلك».
بعدما اعتبرت موسكو الاغتيال عملاً «استفزازياً» يقوّض عملية السلام ضمن إطار اتفاقات مينسك المتوقفة منذ فترة طويلة، وفق ما قال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، جاء تصريح على لسان المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، رأت فيه أنه «لا شك» في تورط كييف في اغتيال زاخارتشنكو. أوضحت زاخاروفا أن الوزارة لديها كل الأسباب التي تدفعها إلى الاعتقاد بأن كييف هي المسؤولة عن مقتل زاخارتشنكو.
في شرق أوكرانيا، قالت السلطات إنها حدّدت هوية «الإرهابيين» الذين قتلوا زاخارتشنكو، مضيفةً أن «التفجير تمّ بطلب من جهاز الأمن الأوكراني»، فيما أعلن القائم بأعمال رئيس المنطقة، ديمتري ترابيزنيكوف، أنه «تمّ اعتقال عدة أشخاص» في إطار عملية تهدف إلى كشف القتلة. بموازاة ذلك، قالت لجنة التحقيق الاتحادية الروسية، وهي الجهة المعنية بالتعامل مع الجرائم الكبرى، إنها تتعامل مع قتل زاخارتشنكو على أنه من أعمال الإرهاب الدولي.

رجلٌ من الشعب
لعلّ وصف الرئيس الروسي لزاخارتشنكو بأنه «قائد حقيقي للشعب» هو أكثر ما يلخّص أهمية هذا الرجل بالنسبة إلى الدونباس. لم يبدأ زاخارتشنكو حياته المهنية في السياسة أو في العسكر، بل هو رجل محلّي، ولد في دونيتسك عام 1976، وترعرع هناك. تخرّج في المعهد التقني، وقبل أن يدرس الحقوق لاحقاً ويتحوّل إلى رمز لاستقلال منطقة الدونباس، عمِل كهربائياً في منجم فحم، وهي مهنة شائعة في الدونباس الصناعية الغنية بمناجم الفحم والمعادن، وأدار بعد ذلك عمله الخاص في المجال نفسه. حياته السياسية بدأت في عام 2010، بإدارته فرع جمعية «أوبلوك» غير الحكومية في الدونتيسك. لكن مغامرة ألكسندر الحقيقية، والتي ستكون السبب في نهاية حياته، بدأت عام 2014، عندما أصبح القائد العسكري لجيش «حركة الاستقلال» الذي تألّف من منشقّين عن الجيش وقوات الأمن الأوكرانية، وكذلك من أبناء الدونباس.

سيكون موقف شعب الدونباس أكثر قساوة من ذي قبل


قدّم زاخارتشنكو شيئاً من الاستقرار لمنطقة الدونباس المضطربة، باعتباره قائداً قوياً، أمسك بزمام الأمور بعد الانقلاب الذي حصل في أوكرانيا بدعم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لإطاحة حكومة فكتور يانوكوفتش، المُنتخَبة ديموقراطياً. اتهم الغرب، يانوكوفتش، بأنه «دمية» بيد الروس، فيما الواقع أنه لم يكن على وفاق مع الكرملين، بل إن الانقلاب ضدّه جاء بعيد رفضه إتمام توقيع اتفاق التعاون مع الاتحاد الأوروبي؛ لأن شروطه كارثية على اقتصاد البلاد، وسيحوّل أوكرانيا إلى «مستعمرة» للاتحاد الأوروبي، على حدّ تعبير المحلل السياسي مارك سليبودا، لشبكة «ذا دوران» الإخبارية.
وهكذا حصلت «الثورة» في أوكرانيا، تلك التي شارك في مسيراتها مسؤولون غربيون وأميركيون، أبرزهم نائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن. وفيما احتفل الغرب بالتخلص من «دمى بوتين» في كييف، رفض الشرق المحاذي لروسيا هذا الانقلاب على الحكومة الشرعية. أسباب هذا الرفض عديدة، ثقافية وتاريخية على وجه الخصوص؛ فمنطقة الدونباس تتألّف من أكثرية إثنية روسية، ويتحدّث معظم سكانها من الروس والأوكران اللغة الروسية. فضلاً عن ذلك، يمكن القول إن أبناء تلك المنطقة، حتى الأوكران منهم، يملكون نظرةً مختلفة إلى «الهوية الأوكرانية» عن سائر البلاد. هؤلاء يعتبرون روسيا بمثابة أخ أكبر. يتحدثون الروسية، وهناك زيجات متبادلة بينهم وبين جيرانهم عبر الحدود، وهم لا يزالون يحملون بعض النوستالجيا إلى الاتحاد السوفياتي، وبطبيعة الحال لا يريدون أن يكونوا جزءاً من أوكرانيا موالية للغرب. في المقابل، فإن لدى جزء من أوكرانيي الغرب كراهية تجاه روسيا والاتحاد السوفياتي نتيجة مخزون تاريخي مختلف، قبل أن تصبح أوكرانيا البلد الذي نعرفه الآن.

إلى صراع أكثر جموداً
في الأثناء، تروّج أوكرانيا لسردية تقول إن اغتيال زاخارتشنكو يأتي في سياق «تصفية» موسكو لحلفائها في الشرق الأوكراني، فيما هناك رواية أخرى تضع مقتل القائد الانفصالي في سياق صراع على السلطة في الدونباس. وقال رئيس جهاز خدمات الأمن الأوكراني، فاسيل غريتساك، إن «تطهيراً منهجياً يحدث لكل من ساهموا في إحضار القوات الروسية إلى دونباس وتأسيس الجمهوريات الشعبية الزائفة». في الواقع، إن اغتيال زاخارتشنكو جاء بعد تسع محاولات اغتيال سابقة له، وبعد عشرات الاغتيالات لقادة آخرين في الدونباس في العامين الأخيرين، من بينهم أرسين بافلوف المعروف بلقب «موتورولا» (كان مشاركاً في حرب الشيشان الثانية) أحد القادة العسكريين لـ«جمهورية دونيتسك الشعبية» و«جمهورية لوغانسك الشعبية» عام 2016. حينها، نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالاً يروّج لفكرة أن روسيا هي التي تقوم بتصفية قادة حرب شرق أوكرانيا. ورأت «فورين بوليسي» أن تلك الاغتيالات من شأنها خلق نزاع داخلي في شرق أوكرانيا لأن «الكرملين يريد نهاية هذا النزاع وتخليص نفسه من العقوبات القائمة بحقه».
من جهة ثانية، ونظراً إلى أهمية زاخارتشنكو، فإن موقف شعب الدونباس من اغتياله سيكون أكثر قساوة من ذي قبل، وهو ما يعني أن النزاع الجامد أصلاً سيصبح أكثر جموداً. في الميدان، قد تخطط أوكرانيا لهجوم وفق ما قال القيادي الانفصالي، إدوارد باسورين، في منتصف أيلول/ سبتمبر، مضيفاً أن قواته وُضعت على أهبة الاستعداد. وتابع أنه تم تشديد الإجراءات الأمنية وإغلاق الحدود لضمان عدم تمكّن أي شخص من العبور إلى الأراضي الخاضعة لسلطة كييف أو روسيا المجاورة. سياسياً، يبدو أن عملية السلام أيضاً باتت طيّ النسيان مع استبعاد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عقد أي لقاء مع فرنسا وألمانيا وأوكرانيا لمناقشة الأزمة بعد اغتيال زاخارتشنكو، فيما لم يصدر أي تعليق عن روسيا وألمانيا.



واشنطن: دعم عسكري إضافي لكييف
أعلنت الولايات المتحدة عن احتمال زيادة وارداتها من الأسلحة لكييف لدعم قواتها الدفاعية، الجوية والبحرية، وفق ما قال المبعوث الأميركي الخاص إلى أوكرانيا كورت فولكر، لصحيفة «ذا غارديان» البريطانية. وقال سفير واشنطن لدى حلف شمالي الأطلسي (سابقاً) إن إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مستعدة «تماماً» لتزويد أوكرانيا بأسلحة أكثر من الصواريخ المضادة للدبابات التي نقلتها لها في نيسان/ أبريل الفائت، بمواجهة «الحركة الانفصالية المستمرة شرق البلاد، والمدعومة من روسيا». وتابع فولكر أن واشنطن وموسكو لا تتفقان بشأن «كيفية نشر قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة» لإنهاء الحرب شرق أوكرانيا، وتوقع أن ينتظر فلاديمير بوتين انتخابات 2019 البرلمانية في أوكرانيا ليعيد النظر في موقفه.