اصطدمت، أخيراً، المساعي الأميركية إلى عقد مؤتمر ضد إيران في وارسو، بجدار أوروبي دفع بواشنطن إلى التراجع عن التركيز على طهران، والإعلان عن توسيع أجندة المؤتمر إلى مختلف أنحاء الشرق الأوسط.

وبالاستناد إلى الأنباء المتداولة خلال اليومين الماضيين، يبدو أن الولايات المتحدة قد فشلت في حشد مشاركة من الدول الأوروبية الحليفة، التي أعلنت تمنّعها عن الحضور، «بدافع القلق من أن يتحول المؤتمر إلى جلسة لانتقاد إيران، ويروّج للقرار الأميركي الخروج من الاتفاق النووي». التغييرات الأخيرة طرأت على التحرّك الأميركي بعدما أبدى مسؤولون أوروبيون، من بينهم وزيرة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، عدم الرغبة بالحضور. وقد أفيد بأن الأخيرة ستتجنّب المؤتمر، الذي سيقام على مدى يومين في 12 و13 شباط/ فبراير، فيما ستتوجّه إلى مؤمر ميونيخ للأمن، الذي يُعقد في الأسبوع ذاته.
وكان وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، قد أعلن عن المؤتمر في بداية الشهر الجاري، حين قال بشكل واضح إن الهدف منه هو «التركيز على نفوذ إيران والإرهاب في المنطقة». إلا أن صحيفة «ذي غارديان» البريطانية أشارت، أمس، إلى أن البيان الرسمي لم يذكر إيران، ولكنه بدلاً من ذلك أشار إلى «الإرهاب والتطرّف، تطوير الصواريخ والانتشار، التجارة البحرية والأمن، والتهديدات التي تشكلها المجموعات التي تحارب بالوكالة في مختلف أنحاء المنطقة». يأتي ذلك فيما أكد المندوب الأميركي بالوكالة لدى الأمم المتحدة، جوناثان كوهن، أن المؤتمر ليس «لشيطنة إيران»، واصفاً إياه بأنه «جلسة عصف ذهني أوسع بشأن الشرق الأوسط».

ستتجنّب موغيريني القمة لتتوجّه إلى مؤتمر ميونيخ للأمن في الأسبوع ذاته


كذلك، أشارت المندوبة البولندية لدى الأمم المتحدة، جوانا ورونيكا، إلى أن المؤتمر سيحمل «قيمة مضافة لجهود السلام في الشرق الأوسط، من خلال خلق رؤية إيجابية عن المنطقة». وأضافت أنه ستجري دعوة 70 بلداً، مشددة في الوقت ذاته على أن القمة ستركز على «مجموعة قضايا محورية تتعلّق بالمنطقة. ولا ننوي التركيز على بلد معيّن». الاستبسال البولندي في الدفاع عن المؤتمر والاستماتة في إقناع الأوروبيين بالحضور بديا واضحين في تأكيد وزير الخارجية البولندي أن بلاده تدعم الاتفاق النووي مع إيران، كما أنها تنوي تزويد إيران بنسخة عن محضر الاجتماع، بحسب ما أفاد به دبلوماسيون. ومن هذا المنطلق، أيضاً، جاءت زيارة مساعد وزير الخارجية البولندي، ماتشي برز ميسلاو لانغ، إلى طهران، قبل أيام، حيث أكد أن قمة وارسو «ستناقش سبل دفع السلام والأمن في الشرق الأوسط بصورة عامة، ولن تكون ضد أي بلد آخر بما فيه الجمهورية الإسلامية».
على رغم كل هذه التبريرات، يصرّ الأوروبيون على مواقفهم، الأمر الذي قد يدفع إلى ما هو أبعد من مجرّد تغيير عنوان المؤتمر؛ إذ أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن دبلوماسيين أوروبيين أشاعوا خبراً عن أن بومبيو قد يلغي القمة في الدقيقة الأخيرة، نظراً إلى التمثيل المنخفض المستوى، أو الحضور من قبل مسؤولين صغار.
في غضون ذلك، انتقلت المواجهة الأوروبية ــ الأميركية في شأن الاتفاق النووي، والإصرار الأوروبي على المضي قدماً فيه، إلى مستوى جديد، تمثّل في إعلان وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، أول من أمس، أن الأوروبيين سيضعون «خلال الأيام المقبلة» آلية خاصة تتيح استمرار التجارة مع إيران على رغم العقوبات الأميركية. وقال لودريان، في جلسة استماع أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الفرنسي: «نحن بصدد وضع آلية تمويل خاصة تتيح تفادي الخضوع، بشكل كامل، للتطبيق الخارجي لإجراءات العقاب المُطبّقة من الولايات المتحدة». وأضاف أن «ذلك سيكون إجراء سياسياً»، مشيراً إلى أن «اجتماعاً عُقد لهذا الغرض، الاثنين، في بروكسل».
وحرصاً منهم على إنقاذ الاتفاق النووي الموقّع مع إيران عام 2015، قدّم الأوروبيون، في أيلول/سبتمبر الماضي، هذه الآلية الخاصة التي تبيّن أنها أمر معقد وحساس. وهي نظرياً ستُستخدم كمقاصة لتمكين الشركات الأوروبية من الإتجار مع إيران من دون التعرّض للعقوبات الأميركية، ولطهران بالاستمرار في بيع نفطها. وأشار لودريان إلى أن «ذلك سيتيح وجود نوع من غرفة مقاصة باليورو، تتيح لطهران من جهة الإفادة من عائدات مالية لبعض مواردها النفطية، وأيضاً شراء المنتجات الأساسية من كبار الفاعلين وهم المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا».