إسطنبول | تشهد علاقات تركيا باليونان وقبرص، ومن خلفهما الاتحاد الأوروبي، توتراً، بسبب إرسال أنقرة، في الـ20 من الشهر الماضي، سفينة «ياووز» للتنقيب عن الغاز بالقرب من السواحل الشرقية لقبرص قبالة لبنان، في منطقة كارباس على عمق 3300 متر. جاء القرار التركي هذا تحدّياً للاتحاد الأوروبي، الذي دان في قمّته الأخيرة أنشطة تركيا في المنطقة، واصفاً إياها بالاستفزازية، مؤكداً أنه «لن يقف مكتوف الأيدي» حيال تلك الأنشطة، التي لم تخفِ واشنطن أيضاً عدم ارتياحها إليها. وستنضم «ياووز» إلى سفينة أخرى اسمها «فاتح»، أرسلتها أنقرة إلى قبالة سواحل قبرص اليونانية، بعدما أعلنت نيتها التنقيب في المنطقة الاقتصادية التي تقول إنها تابعة لها. وعلى إثر ذلك، هدّد الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية على تركيا، فيما أصدرت السلطات القبرصية مذكرات توقيف بحق أفراد طاقم أي سفينة تركية في حال دخولها المناطق الاقتصادية القبرصية. وردّ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، آنذاك، على قرار القبارصة اليونانيين، بالقول: «ستواجهون نتائج وخيمة إذا فعلتم ذلك»، في الوقت الذي عزّز فيه الجيش التركي قواته البحرية الموجودة في المنطقة، وقال إنه لن يسمح بأي مضايقات لسفنه العسكرية والتجارية التي تحميها طائرات حربية تركية باستمرار.

تقول أنقرة إنها تتصرف في إطار اتفاقية لندن لعام 1960، التي اعترفت باستقلال الجزيرة، واعتبرت كلّاً من تركيا واليونان وبريطانيا دولاً ضامنة لهذا الاستقلال. وتدخّلت تركيا عسكرياً في الجزيرة في تموز/ يوليو 1974، بعد الانقلاب المدعوم من أثينا ضد الرئيس مكاريوس الثالث، وقالت آنذاك إنها فعلت ذلك لحماية حقوق القبارصة الأتراك الذين أعلنوا في تشرين الثاني/ نوفمبر 1983 قيام جمهورية شمال قبرص التركية التي لا تعترف بها أي دولة سوى تركيا، فيما تسيطر الحكومة القبرصية المعترف بها دولياً على ثلثي الجزيرة في الجنوب الذي انضم إلى الاتحاد الأوروبي في أيار/ مايو 2004. وفشلت كل المساعي الدولية والأوروبية والأميركية حتى الآن في إيجاد حلّ للمشكلة القبرصية، التي تعرقل انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي الذي يشترط على أنقرة الاعتراف بجمهورية قبرص والانسحاب عسكرياً من الجزيرة.
وفيما تعترض تركيا على عمليات التنقيب عن الغاز والبترول في المناطق الاقتصادية للجزيرة، تقول إنها ــــ وكدولة ضامنة لاستقلال الأخيرة ــــ لن تقبل بأي خطة لا تعترف بحقوق القبارصة الأتراك. وكانت قبرص المعترف بها دولياً قد وقّعت خلال السنوات الأخيرة عقود تنقيب عن البترول والغاز مع شركات عالمية، مثل «آيني» الإيطالية و«توتال» الفرنسية و«إكسون موبيل» و«نوبل» الأميركيتين وشركة الغاز القطرية. وفيما تواصل سفن تنقيب تركية مهامها بالقرب من الشواطئ القبرصية الجنوبية غرباً، تقول أنقرة إن هذه المنطقة ضمن حدود جرفها القاري ومناطقها الاقتصادية التي رسمتها من طرف واحد، وتحميها قطع الأسطول الحربي التركي.

ترى تل أبيب في قبرص عمقاً استراتيجياً لها غرب حدودها البحرية


ووقّعت قبرص، التي تتوقع الدراسات للغاز الموجود في مناطقها الاقتصادية أن يزيد على 400 مليار متر مكعب، اتفاقيات مع مصر وإسرائيل خلال العامين الماضيين لرسم حدود المناطق الاقتصادية والجرف القاري. كما وقعت اتفاقية مع إسرائيل واليونان وإيطاليا لمدّ أنبوب للغاز لنقل الغاز القبرصي والإسرائيلي، ولاحقاً المصري وربما الفلسطيني (قبالة شواطئ غزة) إلى إيطاليا، ومنها إلى أوروبا لمنافسة الغاز الروسي. في المقابل، بذلت تركيا مساعي مكثفة لإقناع إسرائيل والقبارصة اليونانيين بالتنسيق والتعاون المشترك من أجل التنقيب واستخراج الغاز ومدّ أنابيب مشتركة إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، لكنها فشلت في ذلك بسبب خلافاتها مع تل أبيب. واستغلت تل أبيب علاقاتها الاقتصادية مع القبارصة اليونانيين لتقيم معهم علاقات عسكرية مهمة، حيث تقوم الوحدات الخاصة الإسرائيلية بتدريبات ومناورات مشتركة مع القوات القبرصية براً وجواً وبحراً. وترى تل أبيب في قبرص عمقاً استراتيجياً لها غرب حدودها البحرية، خصوصاً في ظلّ وجود قاعدتين جويتين بريطانيتين في الجزيرة. وتسعى فرنسا، من جهتها، إلى إقامة قاعدة بحرية في الشطر الجنوبي من الجزيرة، فيما تروج معلومات عن مباحثات سرّية بين أنقرة وواشنطن لبناء قاعدة بحرية في الشطر الشمالي القبرصي التركي، في حال اتفاق الطرفين على حلّ خلافاتهما وخاصة في الشأن السوري.
ويبقى الخلاف اللبناني ــــ الإسرائيلي حول ترسيم الحدود البحرية، واستمرار الأزمة السورية، من الأسباب التي تؤخر المعالجة النهائية لقضية الغاز شرق الأبيض المتوسط، والذي يقدر البعض احتياطيه بحوالى 30 تريليون متر مكعب (قبرص والأراضي المحتلة ومصر وغزة)، فيما وصل عدد السفن الحربية الموجودة في المنطقة إلى أكثر من 40 سفينة روسية وأميركية وفرنسية وبريطانية وإيطالية وبلجيكية وتركية وإسرائيلية، يعرف الجميع أنها ستبقى هناك حتى المعالجة النهائية لأزمات المنطقة، بما فيها الغاز والبترول وأنابيبهما، التي تريد أنقرة أن تمرّ عبر أراضيها، مثلما تمرّ منها الأنابيب العراقية والإيرانية والآذربيجانية والروسية.
وتستبعد أوساط دبلوماسية في الاتحاد الأوروبي أن يتخذ الأخير مواقف عملية ضد تركيا، التي سبق لها أن أرسلت سفينة «بربروس» للتنقيب عن الغاز إلى جنوب قبرص، وذلك على رغم دعوة الجنوب الاتحاد إلى التحرك من أجل التصدي لاستفزازات أنقرة. ويبدو واضحاً أن الرئيس أردوغان لن يرد على المواقف القبرصية والأوروبية، خصوصاً في هذا الظرف الذي يواجه فيه تحديات جدية على صعيد السياسة الداخلية. ويتوقع أردوغان من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن يتجاهل هذا الموضوع، بعدما نسي تهديداته لأنقرة في حال شرائها صواريخ «أس 400» التي سيتم نصبها جنوب غرب تركيا لتكون قريبة من قبرص، وتضاعف بالتالي احتمالات التصعيد، خصوصاً مع اقتراب الذكرى الـ45 للتدخل العسكري التركي في الجزيرة.