نتائج الانتخابات الرئاسية القادمة في الولايات المتحدة ستكون لها تداعيات مباشرة شديدة الأهمية على مستقبل علاقاتها مع إيران. إمكانية انخفاض حدة المواجهة بين البلدين والعودة إلى مسار تفاوضي بهدف التوصّل إلى صيغة «فك اشتباك» بينهما، ترتبط بهوية الفائز في هذه الانتخابات. في حال انتخاب المرشح الديمقراطي جو بايدن، فإن المرجّح هو إحياء مثل هذا المسار على الرغم من أن المعلومات التي ترشح من واشنطن تفيد بأن فريقه ينوي طرح تعديلات على الاتفاق النووي، ما يعني أن العملية التفاوضية لن تكون سهلة، وأنها قد تترافق مع استخدام ضغوط مختلفة من قبل أفرقائها. لكن الأكيد هو أن تراجع احتمال الحرب، التي يسعى إليها نتنياهو وقسم وازن من فريق ترامب، سيمثّل تطوراً إيجابياً جداً في نظر طهران. هذا ما يفسّر، حسب الكثيرين، امتناعها عن الرد على الهجمات الإسرائيلية التي وقعت على أراضيها، بمشاركة واشنطن أو بضوء أخضر منها على الأقل.

مثل هذا الاحتمال، وما يترتب عليه من «فتح صفحة جديدة» في العلاقات الأميركية-الإيرانية، لا يعني أننا سنكون أمام توقعات وانتظارات مشابهة لتلك التي سادت بعد توقيع الاتفاق النووي سنة 2015. راجت تحليلات عديدة آنذاك عن إمكانية الانتقال التدريجي نحو نوع من الشراكة بين إيران والغرب على المستويات الاقتصادية والتجارية والعلمية والتكنولوجية، ستنعكس رخاء وازدهاراً بالنسبة إلى الشعب الإيراني. وصول دونالد ترامب إلى السلطة والسياسات التي اعتمدها حيال إيران، من جهة، والتغيّرات التي طرأت على الوضع الدولي وموازين القوى السائدة فيه، من جهة أخرى، لا تترك مكاناً لمثل هذه الرهانات حالياً. فما يبرز من تعزيز نوعي للشراكات بين إيران والقوى غير الغربية الصاعدة، كالصين وروسيا والهند، يأتي ترجمة لقناعة الأولى بأن مصلحتها تكمن في المساهمة في عملية إعادة صياغة العلاقات الاقتصادية والسياسية الجارية في عالم يتحوّل فيه الشرق بوتيرة متسارعة إلى مركز ثقله الرئيس، ويفقد فيه الغرب مرجعيته كنموذج لا بد لـ«الآخرين» من السير على خطاه والتوق إلى رضاه.
الحافز الأوّل للتقارب بين الصين وإيران، وكذلك بين الصين وروسيا، كان السياسة العدائية الأميركية، المتفاوتة الحدة، تجاه البلدان الثلاثة. لولا هذه السياسة، التي باتت مسعورة تماماً تجاه إيران، وبقدر أقل تجاه الصين، فمن غير المحتوم أننا كنا سنرى اتجاهاً للشراكة بين هذه الدول. فالشركات الصينية والروسية، وخاصة تلك العاملة في الولايات المتحدة، كانت شديدة الحذر في تعاملها مع إيران، والبعض كان يعزف عن العمل في هذا البلد رغم وجود مغريات هائلة لذلك. لا يمكن فصل تفاهم الصين وإيران على إقامة علاقة استراتيجية عن تصاعد حدة الصراع الصيني-الأميركي وما يستتبعه من عملية فسخ شراكة اقتصادية متزايدة بين هذين البلدين. وإذا أضيف إلى هذا التفاهم تغريدة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف من موسكو، الثلاثاء الماضي، عن توصّل بلاده وروسيا إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق طويل الأمد للتعاون الاستراتيجي الشامل معها من جهة، وتشكيل طهران و«الاتحاد الاقتصادي الأوراسي»، الذي تتزعّمه روسيا، لثلاث مجموعات عمل إضافية لتعزيز العلاقات التجارية بينهما من جهة أخرى، يصبح الاستنتاج الذي يفرض نفسه، حسب تعبير الدبلوماسي الهندي السابق م.ك.بدراكومار، هو أن إيران ماضية في استراتيجية «الاستدارة نحو الشرق».
يقول بدراكوما، في مقال على موقعه «إنديان بنش لاين»، إنه «من منظور جيو-اقتصادي، إذا كانت اتفاقية الشراكة الاستراتيجية مع الصين ستجعل من إيران أحد أبرز أقطاب مبادرة الحزام والطريق على الصعيد العالمي، فإن اندماج إيران في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي يؤسس لمنطقة تجارة حرة يتجاوز عدد سكانها الـ 260 مليون إنسان. فرادة إيران تكمن في تمتعها بقدرات تكنولوجية محلية وبكونها سوقاً غير مستغلة (80 مليون شخص)، وثرواتها الطبيعية الضخمة التي تتضمن النفط والغاز وموقعها الجغرافي الاستثنائي... البعض قد يمتلك الغاز، والبعض الآخر النفط، لكن لا أحد (في الخليج) لديه مجموعة المزايا التي تتمتع بها إيران، أي شعب متعلّم وسوق كبير وقدرات علمية وتكنولوجية متقدمة وقاعدة زراعية متينة ومخزون هائل من المعادن كالفحم والحديد والبوكسيت والألومنيوم والزنك والرصاص واليورانيوم والنحاس والذهب وغيرها».
أهمية مقالة بدراكومار تكمن في أنها مساهمة من دبلوماسي سابق معترَف بكفاءته في الحوار الدائر في الهند حول العلاقات مع إيران، والتي يحاول من يسمّيهم باللوبي الأميركي عرقلة تمتينها. هو يتوقع، في مقابل المذكورين الذين يدعون للاختيار بين السعودية، ومعها الولايات المتحدة بطبيعة الحال، وإيران، أن تتراجع حدة الصراع في المرحلة القادمة في حال انتخاب جو بايدن ليصبح الصراع المركزي بين السعودية والإمارات من جهة، وتركيا وقطر من جهة أخرى. بكلام آخر، على الهند، في نظره، المضي في تنمية شراكتها مع إيران، ويتوقع أنه «في مستقبل غير بعيد، ستنطلق القطارات من محطة شحن الحاويات الهندية في ميناء جبهار إلى الحدود الأفغانية بفضل الجهود المشتركة لطهران ونيودلهي. وفي تطور لافت، فإن أفغانستان أرسلت للتو شحنة عبر ميناء جبهار إلى كاندلا، في طريقها إلى الصين».
في الواقع، فإن عملية الترابط والاندماج التدريجي بين اقتصادات الدول الآسيوية، وتطوير البنى التحتية التي تسرّعها كالمرافئ وشبكات المواصلات والسكك الحديد وأنابيب النفط والغاز، رغم وجود تناقضات سياسية بين هذه الدول ومعارضة الكتل المرتبطة بالغرب لها، مرشحة، في ظل تحولات موازين القوى الدولية والانحدار الأميركي المستمر، أن تتعزز. ولإيران موقع ودور حيويان في هذه العملية.