مع مرور الوقت، تتكشّف عقدٌ إضافية تحول دون حلٍّ نهائي لجولة الاقتتال المندلعة في جنوب القوقاز بين أرمينيا وآذربيجان. كثرة اللاعبين باتت تفسد للودّ قضيّة؛ من جهة، تسعى أنقرة وباريس إلى تصفية حساباتهما على أرض قره باغ، بينما يعتقد إردوغان أنه يواجه حصاراً مزدوجاً، تشارك طهران في إطباقه. في هذا الوقت، تدخل واشنطن الأزمة لسحب أوراق القوّة من يد موسكو، تارةً بإشعار يريفان أنها لم تتخلّ عنها، وتارةً أخرى بوضع ثقلها لدعم باكو، بينما يُظهر الميدان أن اليد الطولى لا تزال لهذه الأخيرة، والتي تضع استعادة أراضيها المحتلّة شرطاً أوّل لوقف الحرب.


في وقتٍ استقطبت فيه أزمة ناغورنو قره باغ اهتمام العالم، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُقدّم هدية كبيرة للرئيس التركي، رجب طيب إردوغان. أخطأت مجلّة «شارلي إيبدو» برسومها حول النبي محمد؛ إذ إن الإساءة غير المتّصلة بحريّة التعبير كانت فوق العادة، في كاريكاتور مقزّز يمكن وضعه في إطار افتقاد أدنى القيم الأخلاقية. الأسوأ من الرسوم نفسها أن يعمَد أحدهم إلى قطع رأس المدرّس الذي أثار مسألة هذه الرسوم مع طلابه. والأسوأ من هذا وذاك، أن تقوم الدولة الفرنسية بطبع الرسوم في كرّاس لتوزيعه على المدارس تأكيداً منها على «حريّة التعبير»، كما السماح لبعض المؤسسات والبلديات برفع صور ضخمة لبعض هذه الكاريكاتورات على مبانٍ وواجهات عامة.
استكمل الرئيس الفرنسي انتقاده للإسلام بحملة مشدّدة ضدّ بعض المجموعات الإسلامية في فرنسا. أتاح ذلك للرئيس التركي أن يمسك بلحظة السلوك الفرنسي غير المفهوم وغير المبرّر، بدعوته ماكرون إلى إجراء «فحص لصحته العقلية»، متسلّحاً بردود الفعل في معظم الدول المسلمة، ليشنّ حملةً على خصمه ومنافسه في أكثر من ساحة.
وبينما كانت تركيا تتراجع في ليبيا وتكاد تخرج فعلياً من هذه المعادلة، في موازاة ارتفاع وتيرة الحملة على أنقرة والدعوة إلى مقاطعة بضائعها من قِبَل بعض الدول العربية، مثل السعودية، جاء الموقف الفرنسي المتسرّع ليقلب اتجاه الريح، عبر الدعوة إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية. دعوةٌ أنست الحملة لمقاطعة المنتجات التركية، ما عُدَّ بمثابة سوء تنسيق وربّما تقدير فاضح بين القوى المعارضة لخطط إردوغان في المنطقة، من ليبيا وشرق المتوسط إلى القوقاز.
تؤكّد صحيفة «يني شفق» الموالية لحزب «العدالة والتنمية» أن معركة ماكرون مع إردوغان خاسرة ولن تنفعه في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وتقول الصحيفة إن ماكرون يحاول التعويض بعد خسارته في أفريقيا وفي شرق المتوسط، لكنه بهذا الهجوم على الإسلام، إنّما يحفر بيده قبر حياته السياسية.
ومن فرنسا إلى القوقاز، يعتقد إردوغان أنه يواجه حصاراً مزدوجاً، وهو ما تسمّيه وسائل إعلامه «محاولة وقف الصعود التركي». وفي حين كان يُعتقد باحتمال تشكيل مسار جديد على غرار أستانا يضمّ روسيا وتركيا وإيران، كانت المفاجأة بتصويب وسائل الإعلام التركية في اتجاه إيران. تتوجّس الأخيرة، كما روسيا، منذ اليوم الأول، من محاولة تركيا خلق بؤرة توتّر على حدودها مع آذربيجان، ومن الحديث عن سعي أنقرة وباكو إلى التقدّم جنوباً في محاذاة الحدود الإيرانية وصولاً إلى نخجوان ذات الحدود المشتركة مع تركيا. انطلاقاً من هذه المخاوف، أعلن مسؤول عسكري إيراني أن بلاده ترفض أيّ تغيير في طبيعة الواقع الجغرافي بين أرمينيا وآذربيجان. كان يقصد بذلك أي محاولة تركية - آذربيجانية لوصل البلدين براً. كما أجرت القوات المسلحة الإيرانية مناورات عسكرية على الحدود مع آذربيجان وأرمينيا في رسالة تفيد بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء أيّ تغييرات جيوبوليتيكية.
من هنا، اكتسب تصريح رئيس وزراء أرمينيا، نيكول باشينيان، أهمية عندما قال: «على أوروبا أن تعرف جيداً أن أرمينيا هي العقبة الوحيدة المتبقية بين الشمال الشرقي والجنوب الشرقي لإيقاف تركيا». وترى «يني شفق» أن هذا التصريح هو مفتاح ما يخطّط له أعداء تركيا. فكما حاول الغرب قطع البوابة الجنوبية لتركيا مع العالم العربي عبر شمال سوريا، وكما يحاول قطع البوابة الغربية لها عبر شرق المتوسط، فهو يريد استمرار قطع البوابة الشرقية عبر أرمينيا. لكن اللافت أن الصحيفة تعتبر طهران جزءاً رئيساً من هذا المخطّط، وأن المشكلة بين أرمينيا وآذربيجان مِن صنع روسيا وإيران اللتين تريدان تقسيم العالم التركي إلى قسمين: تركيا من جهة وما تبقى من عالم تركي من جهة ثانية. وإذا كانت التعليمات لباشينيان جاءت من الغرب، فإن ردّ الفعل الإيراني، وفقاً للصحيفة، أتى مكمِّلاً لهذا المخطّط.
في العودة إلى الصراع في قره باغ، حاولت الولايات المتحدة أن تكون طرفاً مباشراً في الأزمة، كما حاولت سحب بساط التفرّد بها من يَدِ موسكو. وبعدما كانت أوّل هدنتين بجهود روسية، جاءت الهدنة الثالث برعاية أميركية. مردّ ذلك عدم إشعار يريفان ورئيس وزرائها، الأميركي الهوى، بأن واشنطن تخلّت عنهما، في حين وضعت الولايات المتحدة ثقلها الفعلي إلى جانب آذربيجان التي تمثّل قاعدة أميركية - إسرائيلية يمكن أن تشكّل، في لحظة معيّنة، تهديداً لإيران. مع هذا، لم يكن مصير الهدنة الثالثة أفضل من سابقتَيها، في ظلّ غياب أيّ مبادرة جديدة لوضع خريطة طريق لحلّ الأزمة، لتبقى الكلمة حتى الآن للميدان.
القوات الآذربيجانية المدعومة بقوّة من تركيا تُعتبر رابحة حتى الآن من خلال سيطرتها على مدن وقرى كثيرة كانت في عهدة القوات الأرمنية، في حين لا تزال باكو ترفع شعار: لا وقف للحرب إلا بانسحاب القوات الأرمينية من الأراضي التي سيطرت عليها في التسعينيات.
واقع أن الوضع الميداني ليس سهلاً، عبّر عنه رئيس «جمهورية أرتساخ»، أرايك هاروتيونيان، الذي وجّه، نهار الجمعة الفائت، رسالةً إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ذكّره فيها بأن أرتساخ كانت - عبر التاريخ - تابعة لروسيا، فيما شارك تسعون ألفاً من قره باغ وأرمينيا في الدفاع عن الاتحاد السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية، كما تولّى أرمن من الإقليم مسؤوليات عالية في الدولة السوفياتية. وإذ قال هاروتيونيان في رسالته إن آذربيجان تواصل سياسة إبادة الأرمن، طلب من بوتين بذل كلّ الجهود الممكنة لوقف الحرب واستئناف العمليات السياسية.
في هذا الإطار، يرى الباحث التركي، بهلول أوزكان، أن أرمينيا مستعدة للتنازل عن جزء من الأراضي الآذربيجانية المحتلّة في مقابل إعطائها ممرَّي لاتشين وكلبجار اللذين يصلان يريفان بقره باغ. ويعترف أوزكان بأن باكو استغلّت انشغال الإدارة الأميركية بالانتخابات الرئاسية، للهجوم على قره باغ، بينما فوجئت يريفان بذلك، وهي التي لم تكن مستعدّة للحرب بسبب ضعفها الاقتصادي. لكن روسيا، على رغم ميول باشينيان الغربية، لن تسمح بسقوط كامل قره باغ، لأن هذا سيعني انهيار دورها ونفوذها في المنطقة. ويرى أوزكان أن حزب «الحركة القومية» والجناح القومي المتشدّد في حزب «العدالة والتنمية»، يريدان وصل آذربيجان بتركيا واحتلال أراضي أرمينيا الفاصلة بينهما. لكن في هذه الحالة، فإن خطر تحوّل تلك المنطقة إلى سوريا جديدة قائم. أما الحلّ، يقول الباحث، فربّما بنَيل الإقليم حكماً ذاتياً واسعاً تحت السيادة الآذربيجانية وبضمانات دولية، خصوصاً من تركيا وروسيا، وإلا فإن أرمنياً واحداً لن يبقى في قره باغ.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا