طهران | ليس خافياً على أحد أن تجربة الاتفاق النووي كانت مريرة بالنسبة إلى طهران، وأن الانسحاب الأميركي الأحادي الجانب من الاتفاق، على رغم الالتزام الإيراني به، ولّد تشاؤماً لدى الجمهورية الإسلامية بأيّ مسار دبلوماسي، أو بأيّ اتفاق مع واشنطن. ومع ذلك، يبدو أن فوز جو بايدن بالرئاسة الأميركية، والوضع المتردّي للاقتصاد الإيراني، سيؤدّيان، بطريقة ما، إلى أن تتحوّل قضية المحادثات مع أميركا، مرّة أخرى، إلى موضوع ساخن في المنافسات السياسية بين الأحزاب الإيرانية. ومن هذا المنطلق، تبرز رؤى متباينة ضمن الأوساط السياسية والإعلامية إزاء مستقبل العلاقة مع واشنطن، وكيفية التعامل معها في المرحلة المقبلة. فمن بين المحلّلين والخبراء، هناك مَن ينظر نظرة متفائلة بخفض التوتر بين البلدين، ويرى أن من الممكن أن تعود الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، كما وعد بايدن، لتُفتح بتلك العودة صفحة جديدة، أساسها تراجع التوتّر بين الطرفين.

ومن هؤلاء رحمان قهرمانبور، خبير الشؤون الأميركية، الذي يرى أن بايدن، مقارنةً بترامب، يشكّل تهديداً أثره أقلّ على إيران، وأن المحادثات معه ستتّسم بطابع أسهل. ويعتبر قهرمانبور، في حديث إلى «الأخبار»، أن بايدن سياسي «قابل للتنبؤ»، موضحاً أنه «عندما يتحدّث عن المفاوضات والتعامل، يمكن الرهان على كلامه، فيما الأمر لم يكن كذلك مع ترامب». من جهة أخرى، يعتبر قهرمانبور أن «إقناع الرأي العام الإيراني بالدخول في مفاوضات مع بايدن، أسهل بكثير من المحادثات مع ترامب، لأن هذا الأخير كان قد ذهب بعيداً إلى درجة أنه تجاوز كل الخطوط الحمر الإيرانية، بما فيها اغتيال الفريق قاسم سليماني، أو إدراج الحرس الثوري على قائمة الإرهاب»، ما يعني أن «المحادثات معه لم تكن تعني بالنسبة إلى إيران سوى الاستسلام». إلّا أن قهرمانبور ينبّه إلى أن «عودة بايدن إلى الاتفاق النووي لن تحصل بين عشية وضحاها، وتلقائياً ومن دون قيد أو شرط، بل سيسعى الرئيس الجديد إلى إدراج القضايا الصاروخية، متعاوناً مع الأوروبيين، في مسار المحادثات الجديدة مع طهران». مع ذلك، يتوقّع الخبير الإيراني أن يُتاح للجمهورية الإسلامية الفرصة لتنفّس الهواء في المنطقة، وخصوصاً في ظلّ النظرة النقدية التي يحملها بايدن تجاه السعودية، وعلاقاته غير الحميمة نسبياً مع بنيامين نتنياهو، فضلاً عن الدافع الأميركي المتدنّي للتدخّل في الشرق الأوسط.

ثمة مَن يرى أن بايدن سيبدأ سياسته تجاه طهران من حيث انتهى ترامب


في المقابل، ثمة مَن يرى أن بايدن سيبدأ سياسته تجاه طهران من حيث انتهى ترامب. بمعنى آخر، هو سيستخدم أداة العقوبات للضغط على الجمهورية الإسلامية، إلى جانب المحفّزات، أي عبر اتباع سياسة العصا والجزرة، في سبيل الحصول على المزيد من الامتيازات. وفي هذا السياق، يقول حسن أحمديان، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة طهران، لـ«الأخبار»، إن بايدن سيستخدم «الضغوط القصوى» كأداة في وجه إيران، ولن يعود إلى النقطة الصفر، إبان توقيع الاتفاق النووي في عهد باراك أوباما. ويضيف إن «بايدن، ومن خلال إثارة موضوع الالتزام مقابل الالتزام، يسعى لبناء إجماع دولي ضدّ إيران لإرغامها، في ظلّ الضغوط القصوى، على قبول وجهة نظره للتعديلات التي تصبو إليها واشنطن في الاتفاق النووي». ويتابع أحمديان أن «بايدن لن يعود إلى الاتفاق النووي لما قبل ستّ سنوات، لكنه سيتّخذ منه منطلقاً للتعامل مع إيران، والخروج من دورة تفاقم الأزمة، كما سيسعى من خلال إبداء حسن النيات، أي من خلال رفع بعض العقوبات قبل أيّ اتفاق، مثلاً، إلى إظهار تحلّيه بالمسؤولية في مقابل تملّص ترامب منها». ويذهب الأكاديمي الإيراني إلى حدّ وصف الاتفاق بين إيران وبايدن بـ«الصعب»، لافتاً إلى أن «إيران لُدغت مرّة من جحر الديموقراطيين، لذلك، فإن بايدن سيجد صعوبة في نيل ثقتها، وبالتالي يجب أن يقدّم محفّزات لافتة وأبعد من الاتفاق النووي، كي يستطيع الجلوس مع طهران على طاولة المفاوضات، الأمر الذي ستنتج منه متاعب في واشنطن». إلّا أن الأستاذ في جامعة طهران يرى أن أدوات إيران للمساومة مع أميركا تتمثّل في قضايا مثل توسيع النشاطات النووية، بما هو أبعد من الاتفاق النووي وتطوير القدرات العسكرية والصاروخية والنفوذ الإقليمي. مع ذلك، هو يستبعد حصول أيّ تطوّر جاد في العلاقات بين الطرفين، قبل الانتخابات الرئاسية الإيرانية في 18 حزيران/ يونيو 2021.
من جهته، يشير المحلّل والصحافي في صحيفة «دنيای اقتصاد» (عالم الاقتصاد)، هادي خسرو شاهين، في حوار مع «الأخبار»، إلى أن ثمّة خلافاً في الرؤى قد نشب، من الآن، بين النخبة السياسية في إيران حول استمرار البقاء في الاتفاق النووي، لأن عودة أميركا إليه هي بمنزلة تزويد حكومة الولايات المتحدة بآلية «فضّ النزاع»، وهذا يمكن أن يزيد من احتمالات عودة العقوبات الثانوية، في حال عدم مجاراة إيران لمجموعة «5 + 1» لتعديل الاتفاق النووي. ويتوقع خسرو شاهين أن تتحوّل هذه المسألة إلى أحد المحاور الرئيسية في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في إيران العام المقبل، وذلك بهدف ضخّ الزخم لدى الطبقة المتوسطة للمشاركة. ويرى أن من المستبعد جداً أن تتوافر أرضية إجراء محادثات رئيسية أخرى بين طهران وواشنطن، حتى موعد تغيّر الحكومة في إيران في الصيف المقبل. لذلك، فإنّ سياسة «لا حرب ولا محادثات» التي طرحها المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية ستستمرّ، لكن ليس بالزخم السابق، بل كسياسة مبدئية، أكثر مرونة من الماضي، باستثناء موضوع العودة إلى الاتفاق النووي. ويعتقد الصحافي الإيراني أن لدى فريق بايدن اقتناعاً بأن الأصوليين سيفوزون بالانتخابات الرئاسية المقبلة في إيران، لذا فمن المرجّح أن تكون أيّ محادثات مع الحكومة الإيرانية الجديدة أكثر صعوبة من تلك التي جرت مع حكومة حسن روحاني والبراغماتيين. على أن خسرو شاهين يؤكد، في هذا السياق، أنه في حال فوز الأصوليين بالانتخابات الإيرانية المقبلة، ونظراً إلى أن النظام السياسي لن يكون قلقاً من تأثير المحادثات على توازن القوى السياسية، فمن الممكن أن يبدي مرونة أكثر تجاه أميركا.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا