هل يُمكن إضافة شيء إلى ما قاله كل من شارك مَسيرة الحاج قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس، بدءاً بسيد المقاومة؟

رأيت وجهيهما، للمرة الأولى، في مشهد مُصوّر على الخطوط الأمامية في مواجهة «داعش» في العراق. أعاد المشهد إلى ذاكرتي، مع حفظ المقاييس والشروط الظرفية التاريخية طبعاً، قراءات عن المواجهات التي دارت بين القوات السوفياتية التي دافعت عن موسكو في وجه الغزو النازي في الأشهر الحاسمة، نهاية 1941، حين كانت قوات «الجيش الأحمر» تعيد تنظيم صفوفها وتحشدُ قواها لتنهي المعركة بانتصار ساحق على الجيوش الغازية. كما أعاد إلى ذاكرتي شخصيتين بارزتين في هذه المعركة هما الجنرال إيفان بانفيلوف والعقيد باورجان موميش أولي اللذان قادا على الجبهة الأمامية معارك المواجهة المباشرة مع العدو بقدرات بشرية وعتاد أقل بما لا يقاس مما لدى العدو.
تداخلت صور الرجال الأربعة في ذهني وتخيلتهم يخوضون معركة مشتركة. واجه العقيد باورجان، بقوة لا تتعدّى 800 ضابط وجندي، لواءً نازياً من 12 ألف عنصر من القوات الألمانية المدرّعة، ونجح في صدّ الهجمات المتتالية على «درب فولوكولمك»، أحد أهم مفاتيح الدفاع عن موسكو، لثلاثة أيام كاملة، عندما روى لاحقاً تفاصيل المعركة لم يكن له كلام في الفنون العسكرية، بل في إدارة الروح لانتصار الحياة. قال: «إذا أرَدْت أن تبقى على قيد الحياة وتنتصر، فعليك أن تواجه من أتى إليك لقتلك. الوطن هو أنت، هو نحن، رفاقك، هو أسرتك، الوطن هو أمّهاتنا، هو زوجاتنا، هو أولادنا (...). وأنا قائدكم أريد أن أحقق إرادة زوجاتنا وأمهاتنا، إرادة شعبنا، أريد أن أقودكم إلى المعركة لا من أجل أن تموتوا بل لتحيوا وتبقوا على قيد الحياة».
أتى العقيد باورجان كما الجنرال بانفيلوف من قلب كازخستان للدفاع عن أرض الوطن على جبهة موسكو، وله نُصُبُ تذكارية في بلده الأم وفي روسيا.
مجدداً عادت الصورة تتداخل في عينَيَّ عندما سمعت ابنة الحاج قاسم تروي، بصفاء وقوة ويقين وبكلامها المؤثر، الحوافز الأخلاقية التي كانت تدفع بوالدها إلى التواجد في جميع الجبهات إلى جانب المقاومين لمواجهة عدو واحد بأوجه وأقنعة متغيّرة في العراق وسوريا ولبنان. لفتتني، على مقلب آخر، أنماط قراءة الأحداث، وتحديداً في الإعلام السائد الغربي الأطلسي - ومُشتقاته الذيلية - بصفته مرآة لما يَدُور ويُخطط له في غرف إدارة الحروب من البنتاغون إلى الحلف الأطلسي.
قراءات مبنية أساساً على الشخصنة، والتركيز على سرديات ترسم نظرتها إلى الشعوب والدول وكأنها هَرَمٌ مقلوب على أرسه يُختزَلُ بشخص الرئيس على غرار ما رافق الحرب على سورية. هذه الرؤية هي لازمة تاريخية للقراءات الاستعمارية الأوروبية ووريثتها الأميركية لواقع شعوب العالم. في هذه القراءات لا وجود للأوطان ولا للمؤسسات ولا للثقافة ولا للتاريخ. أما التراث فهو خاضع لنظرة جامدة متحجّرة شبه ميتة لا تصلح سوى للنهب المنظم أكان رسمياً أو خاصاً.

من يسير على درب السيادة الفعلية وتملك الذات تصبح عملية إلغائه «واجباً حضارياً» ولو بالاغتيال


فيما المسافة بين الشخصنة والشيطنة والأبلسة قصيرة جداً، ومنها إلى الجريمة خطوة لم يتوانَ البعض عن اجتيازها. هل من الضروري، هنا، ذكر قافلة القادة الشهداء ووقاحة العدو الإسرائيلي في مناقشة الاغتيالات وجدواها على الشاشات؟ هل ننسى كلام وزير الخارجية الفرنسي السابق لوران فابيوس بحق الرئيس الأسد؟ تباهى دونالد ترامب رسمياً بالمسؤولية عن الاغتيال. لكن هل ننسى أسلافه؟ هل ننسى الإرث الثقيل الذي يحمله الغرب الأطلسي؟ لنستذكر فقط الاغتيالات التي رافقت خروج الشعوب من حقبة الاستعمار المباشر. هل ننسى لومومبا والمهدي بن بركة وتوما صنقرة وغيفارا وأمر اغتيال سلفادور الليندي الموقع من كيسنجر؟
لهذا النهج في الرؤية جذور عميقة تمتد إلى أصول الفكر الاستعماري وهيكله الإيديولوجي المبني على نظرة دونية لشعوب الكون، نَمَتْ ورافقت صعود الاستعمار في أوروبا، وتحديداً في بريطانيا وفرنسا منذ أواخر القرن الثامن عشر، والتي أنْبَتتْ فكرة «التفوّق الحضاري» على باقي العالم. ورثت الأمبراطورية الأميركية الفكرة تحت اسم «مانيفست دستيني» أي «القدر الإلهي» المحتوم المكتوب للولايات المتحدة في نشر «الحضارة في أرجاء المعمورة».
لهذه الرؤية لازمة مباشرة تنفي قدرة الشعوب الأخرى على تملُّك المعرفة بقدراتها الذاتية، ليصبح «التقدم الحضاري» تماهياً وتقليداً لمقاييس الغرب الاستعماري الأطلسي. أما في من يسير على درب السيادة الفعلية وتملك الذات فتصبح عملية إلغائه «واجباً حضارياً» ولو بالاغتيال، أما تنمية المعارف العلمية خارج الأطر المرسومة من هؤلاء والتي أدّت إلى لجم نسبي لدينامية «هجرة الأدمغة»، فهي الجريمة الكبرى من نظر الدول الأطلسية.
أريد الاستشهاد هنا بمثلين لافتين: الأول ما ورد على لسان اللواء مارتين دمبساي قائد الأركان المشتركة الأميركي أثناء المفاوضات مع طهران، حين قال: «ليست المشكلة في أن تمتلك إيران السلاح النووي، المشكلة أنها تمتلك المعرفة». أي أن تملكها الذاتي للمعرفة يهدد الركيزة الأساسية للفكر الاستعماري وهي التملك الحصري للعلم والمعرفة.
أما المثل الثاني البالغ الرمزية فهو حادثة عايشتها خلال مشاركتي في مؤتمر دولي في طهران. اكتشفت يومها أن المختبرات الإيرانية نجحت في ابتكار نوع خاص من الإسمنت تفوق قدرته في الصلابة والليونة في آن أربعة أضعاف إسمنت «دوكتال» الذي تُنتجه شركة «لافارج» الفرنسيه والذي يُعدُّ الأفضل في العالم.
كان الهدف مواجهة خطر الزلزال على الأبنية في طهران الواقعة على حَدّ فالق خطير في جبال البرز. ميزة الإسمنت هذا أنه قادر على مضاعفة تماسك الأبنية في حال وقوع زلزال. وشاءَت الصدف أن أقرأ، لدى عودتي، مقالاً في أسبوعية «ايكونوميست» البريطانية بعنوان «يا لها من كارثة»! يتطرق كاتبه إلى الابتكار الصناعي المذكور، ويضيف: «تصوروا أننا قمنا بقصف منشأة إيرانية مُحصّنة بقنبلة «جي بي 58» (الخارقة للتحصينات). وبعد تبدد الغبار وانقشاع الرؤية ها هي المنشأة ما زالت قائمة موجودة. يا لها من كارثة حقاً».
أعتقد أن الحاج قاسم سليماني ومعه أبو مهدي المهندس تخطيا الآن الزمان والمكان. أصبحا ملك الحقبة التاريخية الراهنة وعنوانها التحرر الوطني وبناء المستقبل.
ديناميتان تحكمان إقليمنا ودُوَله منذ القرن التاسع عشر: دينامية الشرذمة والتقسيم والتفتيت والتقوقع على الذات، لها منظّروها أمثال أشهرهم برنارد لويس وقواها الضارية في الغرب الأطلسي وخدمها الذين يرتضون أكل الفتات.
أما الدينامية الثانية فهي دينامية التكامل والتشابك والتشبيك الإقليمي الذي عمل الحاج قاسم على بناء أسسها في عمارتها، مرسياً نهج انفتاح الإقليم على نفسه مؤسساً لحقبة من التاريخ المشرقي والإقليمي رسمت فيه التحالفات بدَمِ الشهادة وجهة المستقبل. وجهة رسمتها أيضاً الانتصارات في لبنان، منهية زمن النكبات ومرسية زمن المقاومة والبناء.
ولمن ربما يخونه اليقين، أستذكر هنا محطتين من تاريخنا المعاصر:
سئل الرئيس الكوبي الراحل فيديل كاسترو مطلع السبعينيات من القرن المنصرم عمن سينتصر في حرب فيتنام، فأجاب: «أعطوني على مَرّ التاريخ حالة واحدة شهدت انتصار مجموعة تقنيات على حضارة».
وفي منتصف التسعينيات من القرن الماضي، علّق وزير خارجية الصين على تذمُّر نظيره الهولندي بسبب تمديد فترة لقاء عمل جمعهما بالقول: «أتعرف الفارق بيننا أيها الزميل؟ أنتم لديكم الساعة، ونحن لدينا الزمن».