مع تهاوي شركة «فايسبوك» وتطبيقاتها: «مسنجر» «واتسآب» و»إنستغرام»، وغَرَق المجموعة العملاقة في مشكلة تضاف إلى أزمة تسريب وثائق داخلية تدينها، تجدَّد النقاش، مرّة أخرى، في الكونغرس الأميركي حيال الآليات الواجب اتباعها لضبط عمل عمالقة التكنولوجيا. استياء الكونغرس من تعاظم قوّة الشركات الكبرى ونفوذها أخذ يتنامى، في خلال السنوات الماضية، مع تنامي الجبهة «التقدميّة» في الحزب الديموقراطي، والتي وعد أبرز رموزها، مثل بيرني ساندرز وإليزابيث وارن، مراراً، بتفكيك شركات أصبحت «مونوبولي» ضخمة تتمتّع بقوّة احتكارية بات واجباً كبحها.

في ضوء ما تقدَّم، يتواصل العمل في لجان مجلسَي الكونغرس، وإن كانت التوقعات إزاء قدرة هؤلاء على إحراز اختراق حقيقي في هذا المجال لا تزال متواضعة، مع تحوُّل منصّات التكنولوجيا، بتمدُّدها وتأثيرها، إلى ما يشبه «المجمع الصناعي العسكري». واعتباراً من حزيران الماضي، بدأت اللجنة القضائية في مجلس النواب الأميركي، مناقشة تشريعات تستهدف الحدّ من نفوذ شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة، في ما عُدَّ أوَّل تحرُّك مهمّ من جانب الحزبَين الجمهوري والديموقراطي في هذا السياق، على رغم عدم وضوح المسار الإجرائي للوصول بالمشاريع الآنفة إلى مرحلة قوانين قابلة للتطبيق. أغلب مشاريع القوانين الستّة التي ناقشتها اللجنة، كان نتاج عملية تحقيق أجرتها لجنة فرعية لمكافحة الاحتكار مع شركات: «أبل»، «فايسبوك»، «ألفابيت» و»أمازون»، واستمرّت 16 شهراً، بهدف التعامل مع سطوة هذه الشركات على الأسواق. وعلى رغم استبعاد تحوّل هذه المقترحات إلى قوانين، إلّا أنها تُظهر رغبة أعضاء الكونغرس في إيجاد طريقة للحدّ من سيطرة شركات التكنولوجيا على الأسواق، وتعزيز قوّة مكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة. ومن شأن حزمة مكافحة الاحتكار التي تستهدف كبريات شركات التكنولوجيا أن تؤثّر على كيفية استخدام الناس للإنترنت، كونها تمهّد لإعادة تنظيم أو تفكيك شركات عملاقة مثل: «غوغل»، «فايسبوك»، «أبل» و»أمازون».
الاستياء من الاحتكار الذي تمارسه هذه الشركات ينسحب أيضاً على الاتحاد الأوروبي الذي قالت مفوّضته لشؤون المنافسة، مارغريت فيستاغر، أمس، إن انقطاع خدمات «فايسبوك» لساعات، في ما وُصف بأنه أكبر خلل على الإطلاق تتعرّض له الشركة، يُظهر عواقب الاعتماد على عدد قليل من الشركات الكبرى، ويؤكد الحاجة إلى مزيد من المنافسة. وجاء العطل في وقت غير مؤات لشركةٍ تمرّ بإحدى أسوأ الأزمات التي تطال سمعتها. أزمةٌ مردّها إلى ما كشفت عنه المهندسة فرانسيس هوغن، الموظفة السابقة لدى المجموعة، والتي اتّهمت الشركة ــــ يستخدم منصّاتها 3.5 مليارات شخص شهرياً ــــ باختيار «الربح المادي على سلامة» مستخدميها. ومن شأن الحادثة، معطوفة على التسريبات، أن تدعم موقف منتقدي الشركة، ولا سيما أنها تظهر سطوتها الواسعة على الحياة اليومية. وباتت السلطات تمتلك، اعتباراً من الآن، حججاً كثيرة لشنّ حملة على «فايسبوك»، وخصوصاً بعد تسريب وثائق داخلية عبر هوغن سمحت لصحيفة «وول ستريت جورنال»، منتصف أيلول الماضي، بنشر سلسلة من المقالات حول التأثير المضرّ لموقعَي «فايسبوك» و»إنستغرام» على المجتمع، وعلى الأطفال خصوصاً. وهو ما تمحورت حوله جلسة الاستماع إلى هوغن التي عقدتها «لجنة حماية المستهلك وأمن البيانات» في مجلس الشيوخ الأميركي، أمس. وفي ملاحظاتها التمهيدية، حثّت الموظفة المبلّغة عن المخالفات، البرلمانيين، على وضْع ضوابط لـ»فايسبوك»، فيما اعتبرت اللجنة أن الوقت قد حان للتحرّك حيال الشركة، وفعل شيء لضبط عمل منصّات التواصل الاجتماعي. وتجدر الإشارة إلى أن «فايسبوك» أدخلت، قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني 2020، تعديلات على خوارزمياتها للحدّ من انتشار المعلومات المضلّلة. لكنها، وفقاً لهوغن، بمجرّد انتهاء الانتخابات، أعادت الخوارزميات إلى ما كانت عليه «بهدف إعطاء الأولوية للنموّ على حساب السلامة... كان هناك تضارب في المصالح بين ما هو مفيد للجمهور وما هو مفيد لفايسبوك. مرّةً تلوَ أخرى، وضعت المجموعة مصالحها أوّلاً، أيْ كسب المزيد من المال». لكن الشركة تصرّ على أن المزاعم مشحونة بـ»إثارة المشاعر»، وأن هذه المعلومات أخرجت من سياقها، وأن «فايسبوك» ليست المسؤولة الوحيدة عن مشاكل العالم.