موسكو | يبدو أن السلطات الأوكرانية، بقيادة فولوديمير زيلينسكي، لن تتردّد في اللجوء إلى أكثر الخيارات تطرّفاً، كلّما استشعرت بأن الخناق الروسي بدأ يضيق عليها. وفي هذا السياق على ما يبدو، تندرج سلسلة الحوادث، التي تقول روسيا إنها مفتعلة، في المنشآت النووية الأوكرانية، بهدف توجيه الاتّهام إلى موسكو بالمسؤولية عنها، ومن ثمّ اتّخاذها ذريعة للمطالبة بإقامة منطقة حظر جوّي فوق أوكرانيا. وفي آخر تلك الحوادث، نشب حريق في محطة زابوريجيا النووية الواقعة جنوب شرقي أوكرانيا (والأكبر في البلاد وفي أوروبا)، إلّا أنه اقتصر على المبنى الإداري، من دون أن يطاول منشآت المحطة، ما يشي بأن ثمّة عملاً تخريبياً وراءه يستهدف التهويل في شأن «كارثة نووية» ستتسبّب بها العملية الروسية. وكان التهويل المذكور بدأ قبل أيام، عقب حادثتَين اثنتَين: الأولى رفع مستوى الإشعاع في مفاعل تشيرنوبيل؛ والثانية استهداف مخزن النفايات النووية، لتأتي حادثة زابوريجيا وتشكّل المحطّة الثالثة في ذلك السياق.

في هذا الوقت، وبينما تستمرّ الوحدات اليمينية المتطرّفة من النازيين الجدد والقوميين العنصريين الذين يسمّون بـ»أنصار ستيبان بانديرا»، العميل الأوكراني الذي قاتل إلى جانب النازيين في الحرب العالمية الثانية، في ما تصفها موسكو بـ»الأعمال الاستفزازية»، ترصد الأجهزة الأمنية الاستخبارية الروسية برامج «تشات» (دردشة عبر وسائل التواصل الاجتماعي) في أوكرانيا، يتبادل المشاركون فيها رسائل ذات طابع إرهابي، ودعوات إلى قتل الجنود الروس، ويتداولون معلومات حول كيفية صنع زجاجات «المولوتوف» الحارقة، وتعليمات بشأن أماكن الأسلحة وكيفية توزيعها. ومن بين هذه المجموعات على سبيل المثال: «كومفورت تاون»، «كا تي بيريزنوفا 12»، «روتيردام تاون»، «فيدكريتا»، «جي كا ناوكوفيي».
من ناحيته، أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية، اللواء إيغور كوناشينكوف، أن «القوميين في أوكرانيا يعدّون لعمليات استفزازية في مدينة خاركوف، تشارك في إخراجها وسائل إعلام أجنبية، بهدف استدراج ردّ بالنيران من مدفعية القوات الروسية باتجاه المناطق السكنية في مدينة خاركوف». وبحسب بيانات الوزارة، فقد نشرت القوات الأوكرانية راجمات صواريخ بين الأبنية السكنية، ومنعت المواطنين من مغادرة منازلهم. وفي وقت لاحق، أكدت «الدفاع» الروسية أنه تمّت السيطرة على محطّة زابوريجيا النووية من قِبَل القوات المسلحة الروسية ودائرة الرقابة النووية في أوكرانيا، وأن مختصّي المحطّة يتحكّمون بعمل وحدات الطاقة، ويواصلون تشغيلها وفقاً لمتطلّبات اللوائح التكنولوجية للتشغيل الآمن.

تحدّث خبراء روس عن خمس قواعد ستُطبّقها القوات الروسية في المناطق التي تسيطر عليها


وفي سياق متّصل، تحدّث خبراء روس، من بينهم فولوديمير روغوف، عن خمس قواعد ستُطبّقها القوات الروسية في المناطق التي تسيطر عليها في سياق عمليتها العسكرية، على رأسها: إعفاء المواطنين من الديون والقروض البنكية والرسوم والفواتير البلدية، على أن يتمّ تحديد الرسوم المقبلة على أساس الأسعار الروسية، وتطبيق نظام ضرائب ميسّر لرجال الأعمال الأوكرانيين الذين سيتمكّنون من الوصول إلى الأسواق الروسية، إضافة إلى وضع خطّة لمساعدة المزارعين الأوكرانيين في حصاد مواسمهم.
على خطّ موازٍ، وفيما أعلنت مصلحة الاستخبارات الخارجية الروسية أن الأجهزة الأمنية للدول الغربية تنقل مسلحين إلى أوكرانيا، برزت تصريحات لافتة لرئيس الوزراء الأوكراني الأسبق، نيقولاي أزاروف، قال فيها إن سلطات كييف كانت تستعدّ لشنّ عملية عسكرية على جمهوريتَي لوغانسك ودونيتسك الشعبيتين في دونباس في 25 شباط الماضي، أي بعد يوم واحد فقط من إطلاق العملية العسكرية الروسية الخاصة. وأضاف أزاروف أن «الناتو» كان يخطّط لنشر أربعة ألوية في أوكرانيا، بما فيها قوات محمولة جوّاً ومنظومات قادرة على حمل رؤوس نووية.



لا حظر جوّياً فوق أوكرانيا
أكد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في اتصال مع المستشار الألماني، أولاف شولتز، انفتاح روسيا على الحوار مع أوكرانيا شرط تنفيذ جميع مطالبها. وأعرب بوتين عن أمله في أن تتّخذ كييف «موقفاً حكيماً وبنّاءً» خلال المفاوضات المقبلة. من جهته، دعا شولتز إلى «وقف العملية العسكرية الروسية على الفور، لضمان وصول المساعدات الإنسانية»، مؤكداً أن بلاده «ليست ولن تكون جزءاً من الاشتباك العسكري في أوكرانيا». وفي الاتّجاه نفسه، جزم الأمين العام لـ»حلف شمال الأطلسي»، ينس ستولتنبرغ، أن الحلف لن يقيم منطقة حظر جوّي فوق أوكرانيا، منبّهاً إلى أن ذلك يعني «حرباً شاملة في أوروبا، تتورّط فيها العديد من الدول الأخرى، وتتسبّب بمعاناة إنسانية أكبر بكثير».
وبالعودة إلى تصريحات بوتين، فقد دافع الأخير عمّا تقوم به بلاده بأنها تردّ فقط على الإجراءات السلبية المتّخذة بحقّها، داعياً الدول المجاورة إلى عدم توتير العلاقات مع روسيا. وطمأن إلى أن حكومته ستعمل على تعزيز البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، بالرغم من الصعوبات التي تواجهها، وأنها ستفي بجميع التزاماتها الاقتصادية تجاه الدول الشريكة الأجنبية. من جهتها، اتّهمت الاستخبارات الروسية، «الناتو»، بنقل مسلّحين «إرهابيين» إلى أوكرانيا، بعد إعدادهم في قاعدة التنف السورية الخاضعة للسيطرة الأميركية.