تتجاوز الانتخابات العامّة في كيان العدو مجرّد كونها مناسبة لاختيار ممثّلي الجمهور الإسرائيلي، كما هي الحال في أيّ نظام يعتمد هذه الآلية، بل أصبحت هذه الانتخابات، بفعل مجموعة من التحوّلات الداخلية، تعبيراً عن حالة الانقسام والتشظّي التي تشهدها الساحة الإسرائيلية حول أكثر من عنوان وقضية. وتتمحور تلك العناوين، بحسب تعبير الرئيس السابق، رؤوفين ريفلين، الذي كان تحدّث عن صراع بين أربع «قبائل»، حول هويّة المجتمع والدولة، في ما يؤشّر إلى صعوبة بلورة مساحة مشتركة واسعة بين القطاعات العلمانية والدينية الصهيونية و«الحريدية»، فضلاً عن الفلسطينيين الذين يشكّلون جزءاً رئيساً من المشهد، بحُكم الأمر الواقع. وإذ كاد العنوان الأبرز للانقسام الإسرائيلي ينحصر، في السنوات الأخيرة، في الموقف من تولّي بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة، بسبب اتّهامه بالرشوى والفساد، في ما يمثّل مؤشّراً كاشفاً عن حالة التردّي التي وصل إليها واقع الكيان، فإن الهوّة على المستويَين الاجتماعي والسياسي تَظهر أشدّ عمقاً وأخطر دلالة.

في هذا السياق، تتعدّى عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، كوْنها تحقّقاً لطموح «مشروع» لدى زعيم معسكر اليمين، بل هي بالنسبة لمؤيّديه في «التيار الديني الصهيوني» معبر لتنفيذ برامج أيديولوجية تتّصل بفلسطينيّي الداخل وفي الضفة الغربية المحتلّة أيضاً؛ وبالنسبة لمُناصريه في «التيار الديني الحريدي» ضمانة للإعفاء من الكثير من الواجبات في ما يتعلّق بالخدمة في الجيش، ونيْل غنائم السلطة لدعم مؤسّساته الاجتماعية والدينية. أمّا في الصورة العامة، فقد رأت صحيفة «هآرتس» «(أننا) شهدنا خلال الأعوام الـ15 من حُكم نتنياهو، وبينها 10 أعوام متتالية، وجوهاً مختلفة للرجل»، من ضمنها وجهه في الهجمات على النظام القضائي، والتي لم تُترجَم محاولات لتغيير الطابع الديموقراطي للنظام السياسي، لكن هذه المرّة الظروف مختلفة. فالحاجة إلى قوانين توقف المسار القضائي ضدّه، ستجتمع اليوم مع القدرة على تنفيذ ذلك، من خلال تشكيل حكومة يمينية متطرفة، يجمع بين أقطابها السعي لتحجيم قوّة المحكمة العليا والشرطة والنيابة العامة، في ما يمثّل واحداً من أبرز توجّهات اليمين الجديد في كيان العدو. وفي هذا الإطار، يندرج ما أعلنه عضو «الكنيست» عن حزب «شاس»، ميخائيل ملخيالي، من أن «فقرة التغلّب ستكون من أوائل القوانين الحكومية التي ستُقدَّم للكنيست (المقصود بها أن يصبح من صلاحية الكنيست تجاوز سلطة المحكمة العليا التي قد تعترض على بعض القوانين أو القرارات، مع الإشارة إلى أن قرارات هذه المحكمة مُلزمة لكلّ مؤسّسات الكيان). ولا يتعارض التوجّه الأيديولوجي المُشار إليه لليمين الجديد، مع المشروع الشخصي لنتنياهو، الذي يهدف أيضاً، وبالدرجة الأولى، إلى توفير حصانة له في مواجهة محاكمته بتهم الرشوى والفساد. ومن هنا، فإن عودته إلى منصب رئيس الحكومة، وبالاستناد إلى أحزاب أكثر تطرّفاً، تشكّل محطّة مفصلية في تحديد مستقبله السياسي والشخصي أيضاً.

لا تؤشّر الأرقام التي أظهرتْها نتائج الانتخابات، إلى أن معسكر نتنياهو أصبح يتوافر لديه غطاء شعبي تامّ


مع ذلك، لا تؤشّر الأرقام التي أظهرتْها نتائج الانتخابات، إلى أن معسكر نتنياهو أصبح يتوافر لديه غطاء شعبي تامّ، بحيث يضمن تأييداً يحافظ على الاستقرار الاجتماعي إزاء أيّ خطوات سيُقدم عليها في الداخل. إذ لا تزال الفوارق بين المعسكرَين متقاربة، لكن طبيعة القانون وسوء الإدارة من قِبَل خصوم اليمين، هما اللذان سمحا بهذا التقدّم الملحوظ للأخير، والذي سيؤدي بدوره إلى تعميق حالة التوتّر داخل المجتمع. وتُضاف إلى هذَين العاملَين، حملة التحريض المنظومة والمدروسة التي شنّها نتنياهو من أجل رفع مستوى المشاركة الشعبية، بهدف كسْر حالة التوازن التي كانت أدّت إلى شلل حكومي وسياسي مستديم خلال السنوات الأخيرة. ومن الواضح أنه نجح في ذلك بشكل ملحوظ، حيث بلغت نسبة المشاركة 71.3%، وهو الرقم الأعلى منذ انتخابات العام 2015. ما تَقدّم لا يقدح في حقيقة أن معسكر اليمين سيهيمن على «الكنيست»، مثلما هيمن على «الكنيست» المنصرف، وعلى الندوة البرلمانية طوال السنوات التي شهدت فيها إسرائيل حالة شلل حكومي، وقبل ذلك أيضاً. ويعود هذا، بالدرجة الأولى، إلى أسباب ديموغرافية، حيث تنتمي قطاعات واسعة من الجمهور إلى معسكر اليمين (اليهود الروس، والحريديم، والمستوطنون)، فضلاً عن أن النزعة اليمينية لا تفتأ تتعاظم داخل المجتمع. لكن الانقسام داخل المعسكر المذكور، وفي ما بين المعسكرات، هو الذي أدّى إلى ما يشهده كيان العدو من صراعات مجتمعية وسياسية.