اختار الملك الإسباني، فيليب السادس، رئيس «حزب العمال الاشتراكي الإسباني»، بدرو سانشيز، لتأليف الحكومة، بعد إخفاق رئيس حكومة تصريف الأعمال زعيم «الحزب الشعبي»، ماريانو راخوي، الغارق بتهم الفساد وتبييض الأموال، في إنشاء ائتلاف لإدارة البلاد.

ارتكز اختيار الملك لسانشيز، في بداية شهر شباط الماضي، على أنّ «الإشتراكي» حلّ ثانياً (89 مقعداً)، بعد «الحزب الشعبي» (119 مقعداً) في الانتخابات النيابية التي جرت في نهاية العام الماضي. إلّا أنّ سانشيز لم ينجح، في محاولتين، للاتفاق مع الأحزاب الكبرى الأخرى بغية تحقيق الغالبية البرلمانية المطلوبة لنيل الثقة، وهي 176 مقعداً.
طموح سانشيز في البداية كان إنشاء «ائتلاف التقدّم» إلى جانب «بوديموس» اليساري، والحزب الكاتالونيّ الوسطيّ «المواطنون»، الذي حلّ رابعاً في البرلمان، لكن في ظل معارضة زعيم «بوديموس»، بابلو إيغليسياس، لذلك، لم يتحصّل زعيم «الاشتراكي» إلا على دعم 131 نائباً. وفي أعقاب ذلك، شرح زعيم «بوديموس» أسباب رفضه، وقال إنّ سانشيز «تحالف» مع «القلّة الأوليغارشية»، مطالباً إيّاه «بضمانات».

أمام سانشيز شهران فقط لإنجاح مهمته ولإقناع «بوديموس» بدعمه

إلّا أنّ سانشيز يرى حالياً بادرة أمل بإمكانية إقناع إيغليسياس بالتحالف معه، وخصوصاً «في ظلّ أزمةٍ داخلية تضرب بوديموس»، كما يذكر تقرير لصحيفة «إل بايس» الإسبانية.
قد تظهر بوادر الانقسام الداخليّ عقب استقالة عشرة مسؤولين في مدريد، «احتجاجاً على طريقة القيادة المعتمدة»، التي تلاها، أول من أمس، طرد إيغليسياس لأحد أهمّ مسؤولي الحزب هناك، سيرجيو باسكال، بسبب «إدارته الضعيفة».
وفي رسالةٍ مفتوحة إلى أعضاء «بوديموس»، تمسّك إيغليسياس بنهجه التغييريّ ورفضه التحوّل إلى حالةٍ مشابهة للأحزاب التقليديّة. وقال إنه «لا تتوافر في هذا الحزب مساحة للانقسامات والمنافسة على السلطة». وجاء ذلك في وقت ردّ فيه باسكال على طرده بالقول إنه «عمِل بجهد لعامين ليبني مؤسسة»، مضيفاً أنه لا يزال «ملتزماً مشروع الغالبية للتغيير».
ويُنظر إلى طرد باسكال على أنه انعكاسٌ للانقسام القائم بين بابلو إيغليسياس، والقياديّ الآخر البارز في الحزب، إينيغو إيريخون، ما قد يؤكد وجود تيارين في «بوديموس»: «تيّار مثاليّ مناهض للرأسمالية، وتيّار براغماتيّ يرى في الوضع الحالي فرصة لتحقيق التغيير من داخل النظام»، وفق تقريرٍ لـ«إل بايس».
من جهة أخرى، أشار تقرير في صحيفة «لوموند» الفرنسية إلى أن الصحافة الإسبانية تتحدث منذ أسابيع عن انقسامات داخليّة ترتبط بالإستراتيجية التي يجب أن يتبعها «بوديموس» بمواجهة نتائج انتخابات 20 كانون الأول الماضي، إلّا أنّ إيغليسياس شدّد في رسالته على أنّه «لا توجد، ولن توجد انقسامات في بوديموس. لا يوجد بوديموس منصاع يقبل التحالف مع الحزب الاشتراكي والمواطنون، وبوديموس آخر راديكالي».
وبهدف تذليل العوائق، ينشط سانشيز، على خط آخر، لكسب دعم أحزابٍ مناطقيّة يساريّة صغيرة، هي تابعة في الواقع لكتلة «بوديموس» النيابية الموسعة: الحزب الكاتالونيّ «إن كومو بوديم»، والحزب الغاليسيّ «إن ماريا». وأكّد هذان الحزبان على «انفتاحهما على الحوار مع الإشتراكيّ، وعلى الحرية في التصويت في البرلمان، بالرغم من أنهما جزءٌ من كتلة بوديموس»، وفق تقرير لصحيفة «إل بايس»، نشر الثلاثاء.
وبينما لم يدخل بعد «إن كومو بوديم» في حوار ثنائيّ مباشر مع «الاشتراكيّ»، إلّا أنه قد بدأ بالفعل مشاورات مع الفرع الكاتالونيّ لهذا الحزب، لكنّ، هذا الانفتاح باتجاه سانشيز يصطدم بعائقٍ آخر، إذ إنّ الحزبين سيرفضان التحالف غير المباشر مع «المواطنون» الذي يمثّل الكاتالونيين المناهضين للانفصال. وقد عبّرت النائب عن «إن ماريا»، ألكسندرا فرنانديز، عن هذا الرفض بقولها إن «اتفاق (الإشتراكي) مع المواطنين يجعل المفاوضات غير ممكنة». وكذلك قالت مصادر من «إن كومو» لـ«إل بايس» إنه «حين نستلم الاقتراحات من الاشتراكي، سندرسها، لكننا نرفض على نحو حاسم تحالفاً مع المواطنين».
أمام بدرو سانشيز شهران فقط لإنجاح مهمته، ولإقناع «بوديموس» بدعمه في البرلمان، وخصوصاً مع تأكيد إيغليسياس لسانشيز أنه «ما زال بإمكانكم تغيير المسار»، مضيفاً أنّ «اليد لا تزال ممدودة». وبانتظار نتائج خطط سانشيز، فإنّ هذا المشهد ينذر ببدء العدّ العكسيّ نحو إجراء انتخابات مبكرة في شهر حزيران في هذا البلد الذي عانى لسنواتٍ أزمة اقتصادية حادّة.