في مؤتمرها الصحفي، أول من أمس، أرادت مندوبة واشنطن في الأمم المتحدة نيكي هيلي أن توحي بجدّية الخطب وخطورته، فعرضت خلفها بقايا صاروخ قالت إن «أنصار الله» أطلقوه على الرياض في الرابع من الشهر الماضي، مدّعية أنه دليل على «تورّط» إيران في تهريب صواريخ باليستية إلى اليمن لضرب السعودية، رغم عدم إظهار أي دليل ملموس في عرضها الهوليوودي. بغضّ النظر عن حقّ اليمنيين بتصنيع صواريخ محلياً أو استيرادها من الخارج للدفاع عن أنفسهم في وجه آلة القتل السعودية، نحن لسنا في عام 2003.


لا الظروف حينها مشابهة للظروف الحالية في المنطقة، ولا حتى نيكي هيلي تشبه وزير الخارجية الأميركي كولن باول الذي رغم خبرته العسكرية، أسقطته المعلومات التي لفّقها عن أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة عشية غزو العراق. أطلقت القوة الصاروخية اليمنية «الباليستي» يوم السبت 4 تشرين الثاني الماضي قرابة الساعة الثامنة مساءً باتجاه مطار الملك خالد الدولي في الرياض. في اليوم التالي الأحد، كان الأميركيون يقضون عطلة نهاية الأسبوع، لكن السعوديين لم يضيّعوا الوقت، وعكف خبراؤهم (الذين يملكون باعاً طويلاً في تصنيع الصواريخ الباليستية) على فحص بقايا الصاروخ اليمني، واكتشفوا أنه إيراني الصنع. بحسب وثيقة رسمية أميركية حصلت عليها «الأخبار» ، أرسل نورم كولمان (السيناتور السابق) بصفته مستشاراً في جماعة الضغطHogan Lovells LLC (التي تتعاقد معها سفارة السعودية في واشنطن) رسالة إلى كل من: رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ ريتشارد بور، وعضو لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب مايك غالاغر، وعضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ ليندسي غراهام، وزعيم الاغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونل، وعضو مجلس النواب ويليام هورد، وعضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ جيمس ريسك، ورئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ جون ماكين. يقول كولمان في الرسالة إن السفير السعودي خالد بن سلمان ــ الموجود حينها في الرياض ــ طلب منه أن يرسل هذا الخطاب لهم ليخبرهم عن الصاروخ اليمني الذي «أسقطته الدفاعات الجوية السعودية» ويضعهم بصورة ما توصلت الرياض إليه من أن بقايا الصاروخ تشير إلى أنه إيراني الصنع، الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات ضد طهران. يدّعي خالد بن سلمان في رسالته أن الصاروخ كان الرقم 78 الذي يُطلق باتجاه الأراضي السعودية من اليمن، مع لحظ تطوّر في أداء الصواريخ ومدياتها. يتباكى ابن سلمان في رسالته، قائلاً إن «الأطفال السعوديين ينامون كل ليلة ويتوقّعون سقوط صاروخ كل خمس دقائق»! ويتّهم إيران بتهريب الصواريخ إلى الحوثيين ويخبر أعضاء الكونغرس أن السعودية ترى في ذلك «عدواناً» إيرانياً تحتفظ الرياض بحق الرد عليه، ويطلع المشرّعين الأميركيين على خطوات ستُناقَش في مجلس الأمن ضد إيران لاحقاً.


ابن سلمان: الأطفال السعوديون يتوقّعون سقوط صاروخ كل خمس دقائق


في 22 تشرين الثاني الماضي نشرت مجلة «فورين بوليسي» تقريراً أوردت فيه معلومات عن دفع البيت الأبيض باتجاه نشر معلومات استخبارية أميركية لدعم الرواية السعودية بأن إيران تقف وراء الضربة الصاروخية، رغم إصدار خبراء مختصين من الأمم المتحدة ــ اطلعوا على بقايا الصاروخ ــ تقريراً قالوا فيه إنه لا يمكن الجزم بأن الصاروخ إيراني المنشأ، مشتكين من عدم تعاون السعوديين في التحقيق وحجب معلومات ومصادر مهمة مخافة افتضاح ضعف أداء دفاعاتهم الجوية ــ بحسب «فورين بوليسي» ــ وهو ما أكده تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» في الرابع من الشهر الجاري. تبدو المؤسسة الأمنية والعسكرية الأميركية في موقع المضطرة لمجاراة الرواية الرسمية للبيت الأبيض حول قضية الصاروخ، وهذا ما يمكن تلمّسه في تصريح قائد سلاح الجو الأميركي لمنطقة جنوب غرب آسيا الجنرال جيفري هاريغيان الذي قال خلال مؤتمر صحفي في 10 تشرين الثاني الماضي إن هناك بعض المؤشرات على أن «الصاروخ مصدره إيراني»، ليعود في المؤتمر الصحفي نفسه ويقول إنه لا يستطيع الجزم حتى انتهاء التحقيقات، في حين أن حلفاءه السعوديين «اكتشفوا» منذ اليوم الأول أن الصاروخ إيراني. بحسب ما هو ظاهر حتى الآن، يمكن القول إن إثارة أعضاء في إدارة ترامب لقضية الصاروخ واتهام إيران مباشرةً بتزويد «أنصار الله» بالصواريخ، لا يمكن فصلهما عن ترتيبات «المستشار» جاريد كوشنر ــ ابن سلمان ضمن بنود صفقتهما المشتركة. كل أعضاء الكونغرس بغرفتيه الذين وصلتهم رسالة خالد بن سلمان كانوا جمهوريين حصراً، وفي ذلك إشارة إلى سعي لحشد الجمهوريين وتوحيدهم وراء التوجه الرسمي للبيت الأبيض. ففي رسالة ابن سلمان جملة مفتاحية تعزّز الفكرة عندما يقول: «إنه الوقت المناسب، في ضوء التصعيد غير المسبوق، أن نرفع من جهودنا المشتركة لمواجهة التهديد الذي تسببه الصواريخ الإيرانية. هذا التهديد طبعاً يشمل المصالح العسكرية الأميركية الحيوية والوجود الأميركي في المنطقة». تستفيد إدارة ترامب من تبني الرواية السعودية هذه ضمن محاولات التأثير في الموقف الأوروبي الرافض لفرض مزيد من العقوبات على طهران على خلفية برنامجها الصاروخي وحتى إقناعهم بتأييد ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي، بالإضافة إلى تبرير إجراءات تشديد الحصار السعودي على اليمن التي اتُّخذت بداية الشهر الماضي.




باريس حذرة من إعلان واشنطن

بدت فرنسا حذرة بشأن إعلان «الولايات المتحدة عن امتلاكها أدلة تثبت قيام إيران بتزويد الحوثيين في اليمن بالأسلحة»، وقالت إنها لا تزال تقيّم ما لديها من معلومات. ورداً على سؤال بشأن ما إذا كانت باريس تعتقد أن الأجزاء المعروضة من الصاروخ تمثّل أدلة دامغة، رفض نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية، ألكسندر جورجيني، تقديم إجابة مباشرة. وقال «لم تتوصل الأمم المتحدة إلى نتائج حتى الآن، وفرنسا لا تزال تفحص المعلومات التي بحوزتها».
(رويترز)