بعد انسحابها من شمال اليمن وغربه (مأرب والساحل الغربي)، تستعجل الإمارات تكريس الأهداف المعلنة لاستراتيجيتها الجديدة، التي تحوّلت بموجبها «من الخيار العسكري إلى الخيار السياسي أولاً»، بمعزل عن وجود الموافقة السعودية من عدمه. وعلى رغم أن أبو ظبي حرصت على الادعاء أن خطواتها منسّقة مع الرياض، إلا أن الواقع على الأرض لا يشي بما يصبّ في مصلحة النظام السعودي، الذي يُرجَّح أن يزيد العبء عليه، ويتعمّق غرقه في المستنقع اليمني.

مصادر مطلعة أفادت، «الأخبار»، بأنّ المسؤولين السعوديين مستاؤون من الخطوات الإماراتية الأحادية، لافتة إلى أنّ النظام السعودي بات غير قادر على فرض إملاءاته على حلفائه، بعد التحول الذي طرأ على المستوى الإقليمي، وكذلك الاختلال في موازين القوى لمصلحة صنعاء في الشهور الأخيرة. لذا، عمدت الرياض، في الأسبوع الأخير، وبإجراء احتياطي، وخشيةً من أي إجراء إماراتي مفاجئ في جنوب اليمن، إلى استقدام قوات عسكرية لوجستية إلى مدينة عدن، بهدف إنشاء قواعد عسكرية هناك. وباشرت هذه القوات، المؤلّفة من أربعين آلية عسكرية وتجهيزات فنية وميكانيكية، في إنشاء قاعدتين: الأولى في منطقة العريش شرقي عدن، والثانية قريبة من صلاح الدين غربي عدن، علماً بأن التجهيزات والمعدّات التي وصلت هي دفعة أولى، ستليها دفعات أخرى.
في المقابل، وفي ما يبدو أنه اختبار للموقف السعودي، أطلق مستشار ولي عهد أبو ظبي، عبد الخالق عبد الله، تصريحاً مثيراً للجدل، بنشره تغريدة على موقع «تويتر» قال فيها إنه «لا يمن واحداً موحداً بعد اليوم»، الأمر الذي أثار غضب المسؤولين التابعين للحكومة الموالية للرياض، التي يجدر التذكير بأنها لا تزال على موقفها المؤيد للوحدة اليمنية. كذلك، لا يزال الموقف السعودي متصلّباً في ضرورة الاستمرار في الحرب، بهدف تطويع اليمن كاملاً مهما كانت التكلفة. أما الإماراتيون، فإن سعيهم ينصبّ في الوقت الراهن على حفظ نفوذهم في المناطق الساحلية وفي جنوب البلاد، بهدف تعزيز حضورهم عند خطوط الملاحة البحرية في خليج عدن ومضيق باب المندب، باتجاه القرن الإفريقي.

الكثير من العوائق لا تزال تعترض التوجه الإماراتي الجديد


بناءً عليه، تكون أبو ظبي، باتخاذها قرار الانسحاب الجزئي من اليمن، قد أعطت لنفسها حرية المناورة، سعياً إلى بلوغ أهدافها السياسية، عبر الاستعانة بقوى محلية تتحرك بالوكالة عنها، بما يوفّر لها أيضاً هامش مناورة إزاء «أنصار الله». وهو ما كان قد عبّر عنه، الأسبوع الماضي، وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، أنور قرقاش، بقوله إنه «يجب على الحوثيين أن ينظروا إلى الخطوة الإماراتية على أنها إجراء لبناء الثقة من أجل خلق زخم جديد لإنهاء الصراع». وفي إطار العمل على تعزيز نفوذها، تسعى أبو ظبي إلى زيادة عديد القوات الموالية لها في المحافظات الجنوبية، ضمن خطة تستهدف الوصول إلى 120 ألف مقاتل، علماً أن العدد الإجمالي الحالي يبلغ 90 ألفاً. كذلك، تسعى الإمارات، في سياق محاولاتها لإحكام قبضتها على الفصائل المحلية، إلى فكفكة «ألوية العمالقة» الستة. وتقتضي الخطة الإماراتية، في هذا الإطار، تقسيم «العمالقة» إلى فريقين: أحدهما بقيادة عبد الرحمن المحرمي، الملقب بـ«أبو زرعة» الذي يقضي معظم وقته في أبو ظبي، والآخر بقيادة العميد الإماراتي علي أحمد الطنيحي المكنّى بـ«أبو عمر»، علماً أنّ بعض تلك الألوية سُحب إلى جبهة الضالع في محاولة لتشتيتها. والجدير ذكره، هنا، أن قادة «العمالقة» هم من السلفيين الذين قاتلوا في دماج، وشاركوا إلى جانب «التحالف» في كل معاركه ضد الجيش واللجان الشعبية. وتتهم السلطات الإماراتية، العديد من الفصائل الجنوبية التي قاتلت نيابة عنها في الساحل الغربي، بأنها سحبت سلاحها الثقيل إلى عدن من دون معرفة مصير ذلك السلاح.
وعلى رغم أن الخطوات الإماراتية المتسارعة في اليمن تصبّ في اتجاه إحياء المسار السياسي، إلا أن الكثير من العوائق لا تزال تعترض التوجه الإماراتي الجديد. وعليه، ستواجه أبو ظبي رفضاً شمالياً وسعودياً مشتركاً لدعمها دعوات انفصال الجنوب. وستتحمّل أيضاً تبعات التراجع عن الموقع الثاني في تحالف الحرب على اليمن، فيما ستحاول الرياض حرمانها تحقيق طموحها في الاستفادة من موقع الجنوب الحيوي.