القاهرة | ضربت «فتنة داعش» جماعة الإخوان المسلمين في مصر. هذه التسمية مقتبسة من حالة الأزمة والبلبلة التي أصابت قواعد الجماعة وقياداتها تجاه توصيف ما يحدث في بلاد الرافدين، فضلاً عن الواقع الحرج الذي تعيشه «الإخوان» منذ عزل الرئيس محمد مرسي وتولي وزير الدفاع في زمنه مقاليد الحكم.


وتخوض الجماعة مواجهة استنزاف مع الدولة المصرية قاربت على العام. في ظل هذه المواجهة، دأب من بقي من قياداتها على عقد جلسات تثقيفية غير دورية لقواعدها، وذلك من أجل توضيح الموقف من الأحداث التي تبدو غير واضحة ومثيرة للتساؤلات على أكثر من صعيد، ومنها ما يجري في العراق.
في أول موقف رسمي بشأن ما يجري بجوار بغداد، أصدرت «الإخوان» بياناً نشرته على مواقعها الرسمية، دعت فيه جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة إلى المسارعة في جمع الفرقاء «ضمن مؤتمر جامع لنزع فتيل الأزمة وتلبية مطالب الشعب العراقي المنتفض»، مناشدةً الأكراد على وجه الخصوص تقديم العون لإنجاح المؤتمر. ودعا البيان إلى منع الانجرار وراء الفتنة والفرقة والمذهبية، «لأن واجب الوقت هو الحفاظ على وحدة أراضي العراق بعيداً عن مخاطر التقسيم والتفتيت وفرض المخطط الصهيو ـ أميركي»، مشيرة إلى أن علاج «الاختلالات في الحكم العراقي ومظاهر غياب العدالة فيه يقع ضمن مسؤولية الدولة والمجتمع بمؤسساته وقواه السياسية».


محاولة الاستفادة
من تجربة «داعش»
لعقد تسويات

ردود فعل قواعد «الإخوان» لم تتوقعها القيادة على ما يبدو، فامتلأ فضاء التواصل الاجتماعي بتعليقات الغاضبين من بيان الجماعة والمعترضين عليه قبل أن يحذف البيان من على المواقع الرسمية ويعلن فتح تحقيق داخلي لمعرفة كيف نشر البيان على الموقع». في هذا الإطار، قال عضو مجلس شورى الجماعة، جمال حشمت، إن «بيان الإخوان عن العراق لا يعرف من أصدره وهناك تحقيقات داخلية لمعرفة كيفية نشره على الموقع الرسمي، مضيفاً أن الثورتين المصرية والعراقية أوضحتا أن المخرج واحد، «لذا لا بد من إنهاء عذابات السنين وحسمها، وإنهاء التسلط دون أي عنف ضد المدنيين». وحيّا حشمت في حديث مع «الأخبار» ما وصفه بـ«ثورة المستضعفين الأحرار في كل مكان».
على طرف آخر، قال المستشار الإعلامي للرئيس في عهد مرسي، أحمد عبد العزيز، إن «بيان الجماعة بشأن الوضع في العراق بائس مائع ولا يعكس رؤية اﻹخوان التي تثمن وتؤازر كل حراك ثوري على الظلم والطغيان». وذكر في بيان على صفحته أن البيان خرج على القواعد الأصيلة للجماعة.
رسائل الجماعة في محاضنها التربوية نقلت الاضطراب نفسه إلى القواعد. وفق استطلاع «الأخبار»، فإن الرسائل لم تكن واحدة. هناك من القيادات من سعِد بما يجري في العراق، مؤيدين ما وصفوه بـ«الحراك السني»، لكن قيادات أخرى أبدت تخوفها من تنظيم «داعش» وتجربته في سوريا. ويقول العضو في الجماعة المهندس نضال محمد، إنّ «من الواضح أنّ قطاعاً كبيراً من القيادات لا يعرف شيئاً عمّا يجري في العراق عن داعش أو غيرها، لذلك يبدون فرحهم الشديد لما يرونه انتصارات»، موضحاً: «هذا أوقعهم في التناقض لأنهم سابقاً أدانوا داعش في سوريا».
أما محمد الشخيبي، وهو أحد الكوادر أيضاً، فذكر أن الجماعة لم تحسم رؤيتها إلى داعش، «فحتى إن أسعدها الانتصار على نوري المالكي لكن التساؤل يبقى مطروحاً: من وراء داعش؟». ويقدر الشخيبي أن الجماعة في مأزق بعدما اتهم المالكي السعودية بمساعدة «داعش» ودعمها، «وهو ما يتناقض مع موقفنا من المملكة التي دعمت الانقلاب في مصر». مستدركاً: «لا يجب فصل ما يحدث في العراق عما يحدث في سوريا».
في تقدير هذا التناقض، يرى الباحث في شؤون الحركات الإسلامية محمد حسني أن «الإخوان» ستعمل خلال المرحلة المقبلة على «محاولة الاستفادة من ممارسات داعش وكونها تجربة إقليمية عابرة للحدود من أجل الضغط على النظام الحالي لوقف الاعتقالات التي يتعرض لها أفراد الجماعة حتى لا تدفع ممارسات النظام أعضاءها إلى تبني الفكر الداعشي»، مفسراً ذلك بأن تجربة «داعش» في السيطرة على بعض المحافظات في العراق مغرية للشباب المتحمسين «على أن تكون التهدئة خطوة استباقية لقطع الصلة على تيار العنف الإقليمي في ظل أن قطاعات من الشباب كفرت بالسلمية واتجهت إلى عمليات الثأر والانتقام من منتسبي الجيش والشرطة».
يكمل حسني لـ«الأخبار»: «ما يجري في العراق إذا أحسنت الجماعة استثماره قد يكون دافعاً للوصول إلى تسوية سياسية وتهدئة الأوضاع في السجون ووقف الملاحقات الأمنية»، مستدلاً بأن القاهرة أبرقت رسالة إيجابية إلى الأطراف كلها بالإفراج عن مراسل الجزيرة عبد الله الشامي، «وهو مؤشر على التهدئة حتى إذا لم يصل إلى مستوى التسوية الشاملة». وأضاف: «من المتوقع أن تمارس القيادة ضغوطاً كبيرة على الشباب حتى لا يتفلتوا من الإطار التنظيمي ويشكلوا داعش المصرية، لكننا يجب ألا نتناسى وجود فصيل مصري يخوض مواجهة مسلحة ضد الدولة في سيناء اسمه أنصار بيت المقدس، وهي قضية تحاول كل من الجماعة والدولة تفاديه رغم اختلاف وجهات نظرهما».