غزة | يتألف ميثاق حركة «حماس»، الذي تجري المطالبة بتعديله، من خمسة أبواب تعرّف الحركة وأهدافها، ويطرح رؤيتها تجاه القضايا الاستراتيجية المتعلقة بالقضية الفلسطينية. منذ انطلاقة «حماس»، لم تحدّث الحركة الميثاق أو تعدله بعد إقراره عبر مجلس الشورى وقيادتها الأولى بإشراف مؤسسها الشهيد أحمد ياسين.


تكتسب الدعوة إلى التغيير، في هذه المرحلة، أهميتها من ناحيتين: الأولى أن هناك فقرات داخل الميثاق تشدد على تحريم «ما يسمى الحلولَ السلمية والمؤتمرات الدولية لحل القضية الفلسطينية»، مشددة على تعارضها مع «عقيدة حركة المقاومة الإسلامية»، وهو ما بدأ يتلاشى مع تأكيد قيادات في الحركة، مقابل نفي آخرين، أنه توجد إمكانية لمناقشة تغيير «الخطوط الحمر» في الميثاق.
والناحية الثانية، أنه لا يوجد ما يمكن اعتباره «مبدأً» ثابتاً يحكم علاقة «حماس» بالفصائل الفلسطينية، سواء الوطنية أو الإسلامية، وهو ما يثير امتعاضاً لدى القاعدة الشعبية حينما تذكر ضرورة المصالحة مع «فتح»، فيما الأدبيات كلها تتناقض مع مشروع حركة التحرير الوطني، ويبرز ذلك أيضاً في العلاقة بـ«الجهاد الإسلامي» التي تنطلق من رؤية مشابهة لـ«حماس»، ولكن هذا لم يحمها التصادم معها في مراحل عديدة.
الأمر نفسه ينسحب على العلاقة بالمحيط العربي، الداعم للمقاومة أو حتى «المعتدل»، ففيما تتشدد الحركة في خطابها تجاه «حلفاء الأمس»، تُبقي على «شعرة وصل» مع أنظمة أخرى، كالسعودية، رغم يقينها الداخلي بأن المملكة تموّل حرب النظام المصري ضدها.

المؤيدون لفكرة
التغيير يشددون
على ضرورة مخاطبة الغرب إيجابياً

رغم كل ذلك، لا يبرز الدعاة إلى تغيير الميثاق أيّاً من الحاجات والضرورات السابقة، فجلّ ما يتحدثون عنه هو الرغبة في توضيح «الوجه الصحيح» لـ«حماس»، في ظل الضجة الكبيرة التي أثارتها «داعش» في المنطقة، منطلقين من حملة «التشويه الإسرائيلية»، إذ يذكرون أن مفكراً يهودياً يعيش في الولايات المتحدة، يدعى فرانك لونتز، عكف على تأليف كتاب «دليل إسرائيل عام 2009»، وهو يوجه فيه المتحدثين الإسرائيليين إلى كيفية تصدير الرواية العبرية، مضمّناً الكثير من الفقرات الواردة في ميثاق «حماس» و«معاداة اليهودية والسامية». ويقولون أيضاً إن لونتز دعا إلى ضرورة استغلال ما كتب في ميثاق «حماس» عن هذا الأمر لإقناع المجتمع الدولي بالرواية الإسرائيلية وما تنقله عن مجريات الصراع في القضية الفلسطينية.
يقول الداعون إلى التغيير إن «رؤية الميثاق إلى طبيعة الصراع مع اليهود تستند إلى تفسيرات تاريخية لطبيعة هذه المعركة، مع غياب لتغيرات المراحل السياسية المتعاقبة» التي أدت إلى هذه النتيجة، احتلال فلسطين. الأكاديمي الفلسطيني المقيم في بريطانيا، عزام التميمي، هو أحد الذين طالبوا بـ«تحديثات في هذا الميثاق من حيث اللغة والمعلومات»، لكنه لم ينكر أن الكلام المكتوب فيه «عميق ومنمق». يقول التميمي، الذي ينتمي إلى الإخوان ويدير قناة «الحوار»، إن خطاب الحركة منذ تأسيسها حتى هذه اللحظة «لم يصل صداه إلى الرأي العام الغربي، فيما معلومات الغرب عن حماس معظمها مأخوذة مما يقوله الصهاينة وأنصارهم».
وأضاف لـ«الأخبار»: «ينبغي أن يصدر ميثاق جديد يؤكد الثوابت التي لا تتغير، لكن يجب أن يترفع عن الأخطاء التاريخية والسياسية، ويتجنب تفسير التاريخ من نظرية المؤامرة والبروتوكولات التي أغلب الظن أنها وضعت لتبرير اضطهاد اليهود عام ١٨٥٠، وهي الوثيقة التي اعتمدها هتلر في حرقه اليهود أثناء الحرب العالمية».
كذلك دعا التميمي إلى كتابة الميثاق بـ«صياغة سياسية لا تكون قريبة إلى المنشور الحزبي»، لكنه برر هذا النص بـ«الظروف التي كتب أثناءه الميثاق والصعوبة التي واجهت صانع القرار آنذاك». واستدرك التميمي بالتحذير من تجاوز «الميثاق الثوابت المتعلقة بفلسطين، وأنه لا مكان للإسرائيليين فيها».
قيادي يرفض
تعديل الميثاق، لكنه يؤكد أنه جرى تجاوز نقاط منه

يتفق الباحث مشير عامر مع رأي التميمي، موضحاً أن المشكلة «هي غياب استراتيجية عملية ومدروسة في الخطاب الحمساوي الموجه إلى الغرب، وهي ثغرة استغلها العدو جيداً». ومع أن عامر يعتقد أن «حماس» تطورت في خطابها وتفكيرها واتسمت بالبراغماتية في المراحل الأخيرة من عملها السياسي، «فإنها مطالبة بتجديد خطابها». ومن وجهة نظره، يمكن «تسويق الصراع مع الاحتلال عبر أنسنة القضية والاعتماد على الجانب القانوني والسياسي، وتوظيفه ضمن سياقه التاريخي لاحقاً»، وأيضاً يجب «تبني مصطلحات إيجابية ذات دلالات عامة لدى جميع الشعوب».
في المقابل، أكد القيادي في «حماس» والنائب عنها في المجلس التشريعي، يحيى موسى، أن ميثاق الحركة «واحد من الأدبيات الكثيرة لحماس، وعملياً فإننا تجاوزنا كثيراً مما وضع في هذه الأدبيات، نظراً إلى اعتبارات الأمر الواقع والتطورات». وشدد، في حديث لـ«الأخبار»، على أنه ليس «مطروحاً إعادة النظر في الميثاق، لأن حماس لا تتعامل معه بالموقف القانوني»، مستدلاً على ذلك بأنهم، في وثيقة الوفاق الوطني والاتفاقات مع «فتح»، تجاوزوا الكثير مّما نص عليه الميثاق.
في ما يرتبط بالحديث عن تغيير البنود لتلائم فكرة التفاوض مع الاحتلال، رفض موسى هذا الحديث بالقول إن «حماس لن تقدم أي تنازل في ميثاقها، وخاصة ما يتعلق بالاحتلال»، بل المطلوب «هو التشدد في العلاقة معه».
وعن الحاجة إلى خطاب الغرب والوصول إلى الشرعية الدولية، رأى أن ذلك «لا يكون عبر تقديم تنازلات للاحتلال، فغيرنا قدم تنازلات باهظة ولم يحصل على شيء، ولا يزال العالم ضدنا». وزاد بالقول: «حماس وضعت ضمن قائمة الإرهاب لأنها تبنت خيار المقاومة، لذلك لن تتنازل من أجل أوهام، ولن تعيد تجربة منظمة التحرير».
على النسق نفسه، ذكر المحلل السياسي المقرب من «حماس»، مصطفى الصواف، أنه من ليس من الضروري أن تعلن الحركة تجديد ميثاقها، «فمن يتابع مسيرتها يدرك أن الميثاق رغم وجوده فإنه بات للاستئناس فقط». واستدرك: «ما تحمله بنود الميثاق هي مبادئ استراتيجية باقية، لكن هناك تكتيكات تتغير وتتبدل مع كل مرحلة... وفق علمي لم يعد ميثاق حماس هو الذي يحكمها، فهناك لوائح يعاد تشكيلها كل دورة (تنظيمية) ويحذف بعضها كما تضاف أمور أخرى».




ماذا في الميثاق؟

بالعودة إلى ميثاق «حماس»، يتضح أنه يحوي نصوصاً دينية (آيات وأحاديث) تؤصل لطبيعة الصراع بين الفلسطينيين واليهود، ويتطرق إلى أفكار الحركة وشعاراتها وتأكيد أنها جزء أصيل من «الإخوان المسلمون» التي وصفها بأنها «كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث، وتمتاز بالفهم العميق والشمولية التامة لكل المفاهيم الإسلامية في شتى مجالات الحياة». وكذلك شددت على أنها انطلقت من المدّ الجهادي للإخوان الذي بدأ «في حرب 1948 والعمليات الجهادية للإخوان عام 1968 وما بعده».
أيضاً، في الميثاق، تصف «حماس» علاقتها بمنظمة التحرير بموقف «الابن من أبيه»، فيما تشترط مدّ يدها إلى الفصائل الأخرى إذا «لم تتبع للشرق الشيوعي أو الغرب الصليبي». ومع مراجعة 36 مادة يلاحظ أنها مكتوبة بلغة أيديولوجية، وفي أحيان أخرى تميل إلى «الرواية التاريخية» المطعمة بشواهد دينية، وهي لا تتطرق إلى رؤية سياسية شاملة أو آليات عمل مباشرة توضح كيفية تطبيق بعض البنود الرئيسية.
(الأخبار)