رام الله - في مثل هذه اللحظات قبل ثلاثة عشر عاماً، كان ثمّة فصلٌ جديد يُكتب في تاريخ القضية الفلسطينية. لم يحتمل المصلّون في المسجد الأقصى رؤية أرئيل شارون وهو يتنزه بحريّة في مسجدهم، فكانت النتيجة انتفاضة ثانية، انطلقت من داخل المسجد الأقصى، لتشمل معظم مناطق فلسطين المحتلة، بما فيها أراضي عام 48.


شارون، الذي ارتبط اسمه بكل المجازر والحروب على امتداد تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، سيرتبط اسمه أيضاً بالكثير من المجازر اللاحقة، أبرزها مجزرة جنين، وبانتفاضةٍ ستخلّف أكثر من 5000 آلاف شهيد فلسطيني، وتترك أثراً طويلاً في ذاكرة الأجيال الفلسطينية.
اقتحامٌ واحد بالأمس كان كفيلاً بإشعال انتفاضة. اليوم يتكرر المشهد بشكل صارخ، دون أن يحرّك أحد ساكناً. تغيّرت أمور كثيرة في ثلاث عشرة سنة. أصبحت القدس على هامش الصراعات الداخلية في الدول العربية، في الوقت الذي ظلّت فيه في صلب المشروع الصهيوني. الانتهاكات بحق المسجد الأقصى تجري بوتيرة يوميّة، والاقتحامات تحصل بالمئات، بل وأكثر. في الأسبوع الماضي، أُطلقت دعوات لمسيرات مليونية في القدس المحتلة لمناسبة ما يسمّى «عيد العرش اليهودي»، وحصلت على ترخيص من بلدية الاحتلال في القدس. ثمّة مباركة رسميّة وصلت حتى إلى تصديق الكنيست، أعلى هيئة تشريعية في دولة الاحتلال، على «حق اليهود في دخول جبل الهيكل». أيضاً، ثمّة وزراء
ومسؤولون في الحكومة يشاركون المتطرفين في اقتحاماتهم وطقوسهم، ومنهم من يدعو علناً إلى السماح لليهود بدخول المسجد الأقصى دوماً والصلاة فيه، ووصل الأمر إلى حدّ دعوة «رئيس صندوق الهيكل في الكنيست»، يهودا جليك، إلى عدم السماح للمسلمين بدخول الأقصى في الأعياد اليهودية.
يوم أمس، واحتفالاً بما يسمّى لديهم «فرحة التوراة»، التي تصادف اليوم الأخير من «عيد العرش»، استأنفت عصابات المستوطنين اقتحام المسجد الأقصى من جهة باب المغاربة، عبر مجموعات صغيرة ومتتالية، وبرفقة حراسات معززة ومشددة من عناصر الوحدات الخاصة بشرطة الاحتلال. وهناك تصدّى المصلون وطلبة حلقات العلم، الموجودون بشكل دائم وسط حصار عسكري تفرضه شرطة الاحتلال، للمستوطنين الذين سُمح لهم منذ ساعات الصباح الباكر باقتحام المسجد وإقامة طقوس وشعائر تلمودية فيه.
في موازاة ذلك، أطلق «ائتلاف شباب الانتفاضة» نداءً للمشاركة في فعاليات «جمعة الأقصى» اليوم، داعياً الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم إلى التحرك نحو مناطق التماس مع قوات الاحتلال في ذكرى انتفاضة الأقصى، وذلك ردّاً على الانتهاكات الإسرائيلية بحق المقدسات، مطالباً الفصائل الفلسطينية أيضاً بالاستجابة لتلك الدعوات، ومساندة حراك الشارع.
وقال المتحدث باسم ائتلاف شباب الانتفاضة، نزار بنات، لـ«الأخبار»: إن الائتلاف هو إطارٌ أنشئ لتنسيق الحراك والفعاليات ضد الاحتلال، مضيفاً: «نحن لا نخضع لأي فصيل، درسنا تجارب الفصائل السياسية الموجودة، ووجدنا أنها تكبل نفسها، إما باتفاقيات مع العدو، أو بحسابات إقليمية أو غير ذلك، وهذه الفصائل لا تسعى الى التصالح مع شعبها واستخدام قوة الجمهور ضد العدو؛ الفصائل، تحديداً حركتي «فتح» و«حماس»، تحاول استخدام الجمهور إحداهما ضد الأخرى».
لكن هل هي انتفاضة ضد الاحتلال، أم ضد أوسلو، لا سيّما أن أي حراك من المحتمل أن يواجه بالعصا الأمنية للسلطة الفلسطينية كما حصل في أكثر من مناسبة؟ يجيب بنات على ذلك بالقول: «إن الانتفاضة عمل جماهيري غير قابل للهندسة، أو التحكم. هي حصيلة احتقان متراكم وانسداد أفق، ولذا لا يمكن التنبّؤ بنتائجها. السلطة عادة تحاول احتواء هذه الانتفاضة عبر نشر الفوضى والتخريب في مناطق الاشتباك. عادة ما تقف السلطة على الحياد لمدة يوم أو يومين، وتتدخل حين يخف الزخم. السلطة الآن تراهن على أن الاشتباك القادم هو انتفاضة قصيرة موسمية، في ذكرى الانتفاضة السابقة، قد تحاول قمعها، لكن من المتوقع جداً أن تنقلب الأمور ضد السلطة».
وماذا عن الشباب، هل هو قادر على تشكيل وقود الثورة القادمة، وإدارتها؟ يردّ: «الشباب قادر على إدارتها، وإذا فشل يكون سبب الفشل هو محاولات الفصائل احتواء هؤلاء الشباب وتطويعهم. وسوف تشغل الفصائل ماكيناتها الاعلامية ضدّهم حين تخالف الانتفاضة الرغبة الفصائلية. هناك مشروع تجويف ثقافي غير مسبوق، وتسخيف متعمد للشباب الفلسطيني، خصوصاً الكادر الجامعي. من المعروف أن وقود الثورة الروسية كانوا عمالاً، والثورة الكوبية اعتمدت على الفلاحين، والثورة الفلسطينية قامت على الطلبة الجامعيين. ولذا هناك ضرب متعمد لهذه الشريحة. هناك تحويل لهذه الفئة من الانتماء الواعي للفصيل باعتباره أداة تحرير الى صياغة انتماء قبلي للفصيل، ويمكن القول إنه لا يوجد لدينا فصائل وطنية بل قبائل سياسية».
في المقابل، هناك من يزعم أن الانتفاضة الثانية لم تقدّم للقضية الفلسطينية شيئاً، بل على العكس، زادت من معاناة الشعب الفلسطيني، وأدت إلى اقتطاع مزيد من الأراضي من خلال بناء جدار الفصل العنصري، وعزل القدس المحتلة عن الضفة عبر إقامة الحواجز. يرى بنات أن هذه الدعاية مردّها إلى أن «الاعلام السلطوي يعتمد على الذاكرة القصيرة للناس». ويضيف: «الانتفاضة الأولى كانت رائعة لكنها تحولت إلى كارثة بفعل نتائجها، فقد جلبت لنا أوسلو وفريق المفاوضين بلا بدائل. الانتفاضة الثانية حررت غزة، نوعاً ما، ونظفتها من المستوطنات، لأن غزة دفعت فاتورة التحرير».
ويتابع «في الضفة تقول السلطة: جلبت علينا الانتفاضة جدار الفصل العنصري، ولكنها تخفي حقيقة بيع الأسمنت لهذا الجدار من قبل قياديين في السلطة. ليس هناك نتائج سيئة للانتفاضة، هناك سوء استخدام أو استغلال لها أو استعجال في قطافها، كافة النتائج السيئة كانت بفعل من يسعون للتسوية السياسية مع الاحتلال».