منذ التاسعة صباحاً، بدأ المدعوّون إلى «اللقاء التشاوري للحوار الوطني السوري» بالتوافد إلى فندق صحارى. كان يمكنهم الوصول بسياراتهم إلى الموقف الكبير، قبالة المنتجع، يركنونها بأنفسهم ويتوجهون إلى طاولة الاستقبال الكبيرة في بهو الفندق، ليأخذوا بمساعدة صبيّتين أنيقتين بطاقة التعريف وملفاً صغيراً. بعدها، يتجهون من دون أن يلمحوا أياً من أصحاب النظارات السود إلى القاعة الرئيسية، حيث يعقد المؤتمر. هناك حُجِزَت نحو عشرين كرسياً لأشخاص محددين، أما الكراسي المئة والأربعين الباقية فترك المنظمون للضيوف حرية تقاسمها: مهمة استصعبها البعض. وكثيرون استصعبوا مفارقة ثانية: اجتماع رسمي، غرفة أو قاعة في سوريا ولا صورة تتصدرها للرئيس بشار الأسد. عبثاً، بحثت العيون عن «السيِّد الرئيس»، إلى أن استسلمت للاعتقاد بأن اللافتتين العملاقتين القائلتين «هيئة الحوار الوطني ـــ اللقاء التشاوري ـــ 10 و11 تموز 2011» غطّتا الصورة.

عند الحادية عشرة، كان نصاب الملبّين للدعوة قد اكتمل: يكاد يقتصر حضور المعارضين التقليديين على المفكر طيب تيزيني، الذي كان ضحية لعنف الأمن قبل نحو شهرين فقط في ساحة المرجة في دمشق. ومحاطاً بالروائي وليد إخلاصي والاقتصادي منير حمش، يطلق نائب الرئيس السوري فاروق الشرع النقاش التحضيري لمؤتمر الحوار الوطني، بعد الوقوف دقيقة صمت «على أرواح الشهداء» ودقيقة أخرى لموسيقى النشيد الوطني السوري. بوضوح، قال الشرع إن اللقاء «بداية حوار وطني، نأمل أن يفضي إلى مؤتمر شامل نعلن فيه انتقال سوريا إلى دولة تعددية ديموقراطية، يحظى فيها جميع المواطنين بالمساواة ويشاركون في صياغة مستقبل بلدهم»، واعداً بأن تدعى شخصيات إضافية إلى اللقاءات المقبلة.
وقائع المؤتمر تنقل مباشرة على التلفزيون السوري، يقول الشرع إن «المؤتمر ينعقد في ظروف داخلية وخارجية غير مريحة، ينتابها الشك والريبة وتخفي قدراً لا يستهان به من الرفض والقلق». يتحدث الشرع بلغة حاسمة عن «التحول في مسار القوانين والانتقال من وضع إلى آخر»، معترفاً بـ«الحق المشروع» للمواطن السوري في إيصال صوته ومطالبه المحقة، ومعلناً صدور قرارات بعدم وضع عقبات غير قانونية بوجه سفر أو عودة أي مواطن سوري الى وطنه. وتضمن خطاب الشرع عدّة مواقف لافتة، أهمها: أولاً، أمله أن «يفي الأسد بما وعد به على صعيد التطبيق الكامل للقوانين التي لم تسمح الظروف بأن تدخل حيز التنفيذ، ولا سيما رفع حالة الطوارئ». ثانياً، تأكيده أن التظاهرات غير المرخصة تؤدي إلى «عنف غير مبرر» ينجم عنه سقوط الشهداء من المدنيين والعسكريين، وكلهم أبناء الوطن. ثالثاً، الاعتراف بأنه لولا «التضحيات الجسام التي قدمها شعب سوريا، مدنيين وعسكريين في أكثر من محافظة، لما كان لمثل هذا اللقاء أن يعقد». رابعاً، قول الشرع إن إثارة الغرائز المذهبية والعرقية وعرضها تحت المجهر لإدخال الرعب في نفوس الكبار قبل الصغار كان أمراً سهلاً، لكن «الحوار هو أكثر انسجاماً مع تاريخ سوريا وشعبها المعطاء». خامساً، تأكيده أن الحوار سيؤدي إلى «نظام تعددي ديموقراطي يعطي الشعب الحرية. آملاً نجاح الشعب بالتحول السلمي لكسر الحلقة المفرغة. وسادساً، إشارة الشرع إلى أن «الإصلاحات» هي الوسيلة لشفاء سوريا من جراحها والحؤول دون نكء الخارج لجراحها، ولتصبح سوريا ـــ بعد الإصلاحات ـــ خالية من الأحقاد والضغائن. لافتاً إلى أن «الحوار الوطني يجب أن يتواصل سياسياً، وعلى كل المستويات ومختلف الشرائح، وهذا خيار سياسي».
بعد إنهاء الشرع كلمته، شرح مدير الجلسة منير الحمش أنه سيبدأ توزيع الأدوار على المتداخلين، فسارع بعض الحاضرين إلى استغراب هذا الأمر. فقد أظهرت هفوة حمش منظّمي المؤتمر (النظام) كأنهم قد حضروا مسبقاً توزيع الكلمات وحددوا هوية المتحدثين. فمرر حمش ورقة ليسجل عليها الراغبون في تقديم مداخلات أسماءهم. وريثما تنجز القائمة، أعطى حمش الكلام للمفكر السوري طيب تيزيني، ليتبيّن أن منظّمي المؤتمر يهمّهم الاستماع أولاً إلى الأكثر معارضة للنظام، وسط الحاضرين. ومن دون لف ودوران، قال تيزيني في نقل مباشر على التلفزيون السوري: «لا بديل من فك الدولة الأمنية المهيمنة في سوريا». «يجب البدء بإخراج السجناء الذين بقوا سنوات مديدة، وهم بالآلاف». «تاريخية اللقاء نصنعها نحن بتأسيس دولة القانون التي انتهكت حتى العظم».
الفنانون هنا بالعشرات، وكذلك الشخصيات الإعلامية والحزبية اللبنانية والعربية. يفاجأ الحاضرون والجمهور بلهجة النائب محمد حبش الذي يصنفه كثيرون في خانة النظام. ينتقد حبش «الرصاص الغادر» الذي يقتل المواطنين المطالبين بالحرية. يقول إن حجم المؤامرة لا يتجاوز العشرين في المئة، في مقابل ثمانين في المئة من السوريين يطالبون بالحرية. ويذهب حبش في مطالب تعديل الدستور إلى درجة لم يصلها أي من المعارضين التقليديين في المؤتمرات واللقاءات، فيدعو الى تعديل المادة الثامنة لإنهاء حكم الحزب الواحد، كما يفعل معظم المعارضين. ويضيف المطالبة بتعديل المادة الرابعة والثمانين أيضاً ليفتح باب الترشح لرئاسة الجمهورية، مطالباً بإلغاء حكم الإعدام بحق المنتسبين إلى الإخوان المسلمين، أيضاً.
واحدٌ متحمس، فآخر هادئ: يدعو أنيس كنجو إلى مناقشة دستور جديد يؤسس لدولة مدنية، طالباً من المعارضة التعاون مع الرئيس المتحمس للتغيير. يحمّل الأب الياس زحلاوي إسرائيل، ومن ورائها الولايات المتحدة، مسؤوليةً عن بعض ما تشهده المدن السورية من جهة، ويحثّ السلطة من جهة أخرى على وضع حد للاعتقالات العشوائية وإطلاق سراح جميع المعتقلين. بعده، ذكّر عمر أوسي بمطالب الأكراد التي تعهدت السلطة بالاستجابة لبعضها فقط. هبة الله بيطار تنقل هواجس الشباب الذين يشعرون بالتهميش، مع العلم بأن منظّمي المؤتمر حرصوا على حضور نحو أربعين شاباً لا تتجاوز أعمارهم الخامسة والثلاثين عاماً.
بدوره، بدا رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي علي حيدر (جناح عبد المسيح) قادراً على الاستفادة من منبر اللقاء ليقول ما يقوله بعض الذين يحاولون احتكار الشارع المعارض في أماكن متفرقة. فحسم أن الحوار الذي يدعو الرئيس بشار الأسد إليه «لن يستقيم، فيما الآلة الأمنية تلاحق وتعتقل كل من يخالف السلطة في الرأي»، ولن يستقيم «في ظل استمرار الفساد الحاصل». ولا بد، بحسب حيدر، أن «يقف العنف والاعتقال التعسفي والدور الأمني المباشر في معالجة الأزمة، ويفك الحصار عن المدن وتشكيل لجان للاطلاع على الأوضاع في هذه المدن».
أما رئيس «اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين» قدري جميل، فرأى أن الحراك الشعبي الأخير أفرز قيادات جديدة يجب احترامها، معتبراً أن إحباط المؤامرات الخارجية يرتبط بالتوافق الداخلي الذي باتت تحكمه شروط واضحة.
كلمة شبابية أخرى استحوذت على اهتمام الحاضرين، فقد صارح محمد الخطيب المتحلّقين حوله بخوف في داخله «من عدم تطبيق القوانين التي يجري العمل عليها»، فيما دعا الفنان عباس النوري إلى «فك عقد أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية بقيادة حزب البعث لإعادة إنتاج حياة سياسية مختلفة وجريئة في سوريا»، معتبراً أن «عهد الشعارات قد ولى». ومع تشديده على أن «تفكيك النظام لا يعني تفكيك الدولة»، رأى أن «الحوار يكون بين طرفين متعادلين، لا على طريقة الاستماع إلى الوفود الشعبية كما جرى في الماضي».
وبوصول الدور إلى طالبة الدكتوراه في الاقتصاد رشا سيروب، كانت الأخيرة قد أعدّت مداخلة منظّمة، رأت فيها أن الحوار خطوة جيدة، لكن نجاحه يرتبط بمصارحة السلطة نفسها في موضوعين أساسيين، هما: تحديد الأسباب التي أدت إلى نشوء الحركات الاحتجاجية، والأدوات التي استخدمتها السلطة وأدت إلى زيادة حدة الحركات الاحتجاجية، مذكّرة الحاضرين بأن المشكلة الأساسية ليست في القوانين، بل في عدم تطبيقها. وانتهت سيروب إلى تأكيد استحالة تحقيق التنمية من دون حرية، والحرية بالنسبة إليها ليست سياسية فقط، بل اقتصادية واجتماعية وثقافية أيضاً، مشيرة إلى أخذ غالبية جيلها بعين الاعتبار أن الحرية والديموقراطية والحياة المدنية لا تكون بكبسة زر. يبدو الكلام هنا أكثر واقعية ومسؤولية من كلام كثير يقال في أماكن أخرى. يصل الدور إلى النظام، حتى فوزي الشعيبي يتحدث عن ضرورة الاجتماع لبناء «دولة الحق والقانون والتعددية والديموقراطية، الدولة التي لا تقصي رأياً ولا تحتكر سلطة».
هنا، رفعت الجلسة الأولى ليتوجه الحاضرون إلى الغداء الذي تحول إلى جلسة تعارف كبيرة. وعلى هامشها، كان البعض يتلقى اتصالات تهنئة ممن فضّل التغيب، مقابل آخرين بادروا هم إلى الاتصال ببعض المتغيبين لمعاتبتهم على تضييع فرصة بدت أولى ضمن سلسلة: مجموعات سورية تختلف في بعض الآراء، لكنها تجلس على طاولة واحدة، من دون ترغيب ولا ترهيب. وينقل التلفزيون السوري وقائع الجلسة كاملة، من دون تحريف ولا تزوير أو تشويش.
حوار الشجعان بدأ أمس في دمشق ويستمر اليوم. السلطة السورية كانت شجاعة في فتحها باب نقاش علنيّ لا سقف له، أظهر استعداداً حقيقياً لقيادة تحول سوريّ على مختلف المستويات. وكانت السلطة شجاعة أيضاً في مصارحتها السوريين لأول مرة بوجوب «الانتقال إلى دولة تعددية ديموقراطية»، ووجود «عنف غير مبرر» ينجم عنه «سقوط الشهداء من المدنيين والعسكريين، وكلهم أبناء الوطن». والذين شاركوا في اللقاء كانوا شجعاناً أيضاً في قولهم كل ما يقوله الشارع السوري وأكثر. وقد تحلى هؤلاء بالشجاعة ليقولوا في داخل الاجتماع العلني نفس ما يقولونه بينهم وبين أنفسهم، بوضوح وصوت عال. وبدا بعض المتكلمين كأنهم يتكلمون عن أنفسهم وآخرين كثر. وبالتالي، كفّت شجاعة من حضر، ووفت الجهود لإعداد مسودة جدية لحوار بدا أمس أنه لن يكون مجرد هروب من النظام إلى الأمام. فمن يفتح هواء التلفزيون السوري لمداخلات أمس، يكون قد بدأ رحلة المصارحة والمصالحة.




مداخلتا هيئة التنسيق وسميراميس

غطّت مداخلات بعض المشاركين في اللقاء التحضيري لمؤتمر الحوار الوطني السوري على غياب معظم المعارضين المعروفين. رئيس هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديموقراطي المعارضة حسن عبد العظيم رفض مبدأ اختيار السطة للمعارضة التي تتحاور معها، فضلاً عن استمرارها في الاتكال على الحلِّ الأمني. بالرغم من ذلك، رأى عبد العظيم، في اتصال مع «الأخبار»، أن مداخلات بعض الحزبيين والفنانين كانت أكثر من جيدة وتضمنت بعض أفكار الهيئة التي يرأسها، وتضم معظم الأحزاب والشخصيات السورية المعارضة. أما لؤي حسين المنظم للقاء «سميراميس»، فلم يفهم الهدف من المشاركة في اللقاء «بعد تقديمنا رأينا مكتوباً بمقالات وبيانات وأوراق للسلطة، وقلناه في الإعلام وفي آذان مسؤولين كبار في السلطة، ومن بينهم هيئة الحوار الوطني». ولا يفترض أن تكون الحرية وحقوق الإنسان مادة تشاور أو تحاور؛ «نفاوض على كيفية إزالة النظام الاستبدادي والانتقال السلمي والآمن إلى دولة ديموقراطية مدنية، تقوم على أساس المواطنة والقانون وحقوق الإنسان».