strong>غسان سعود


  • فخورة بماضيها... ومتفرغة للعمل الاجتماعي


  • قليلون جداً وسط العاملين في الحقل الاجتماعي يعلمون أن جوسلين خويري التي تسحرهم بإنسانيتها وانفتاحها وانشغالها بتنفيذ الأحلام الكبيرة، هي المقاتلة الكتائبية التي سرقت في مطلع الحرب الأضواء، إذ حملت الصبيّة سلاحاً وتنقلت به وسط الجبهات وصارت شاغلة الصحافيين والسياسيين

    اليوم، تبتعد خويري عن الأضواء، تعمل ورفيقاتها بصمت، تراها تتحرك بخفة في مكتبها المكتظ بصور يوحنا بولس الثاني، وتجلس مرتدية سترة فيها شيء من «العسكرة» خلف مكتب تتكدّس فوقه مئات الملفات الملونة التي تضم معلومات ووثائق عن عائلات تعاني مشاكل داخلية، ومخططات إنمائية لبعض البلدات المسيحية الجنوبية. وقبل الإجابة عن أي سؤال، تسارع المقاتلة القواتية التي اكتمل شيب شعرها من دون أن يعرف الصبغة يوماً، إلى التحدث عن الجيش، مثنيةً على ما يقدمه، وموضحةً أنها تحب «العسكر» وتقدّرهم لأنها تشعر بما يشعر به معظم الذين يقرّرون أن يكونوا عسكريين. بانفعال تشارك يداها وعيناها وابتسامتها في رسمه تعبّر عن «جمال حياة العسكريين إذا عاشوها كما يفترض»، وتجربتها، في هذا السياق، نموذجية. فعلى رغم علاقاتها الاجتماعية الواسعة وتشعّب صداقاتها المدرسية، واهتمامها بالرياضة، وخصوصاً لعبة كرة الطائرة التي حازت فيها عدة جوائز، وجدت خويري وقتاً للتعرف بحزب الكتائب. عام 1972 انضوت إلى صفوفه، ولم تكن قد أنهت دراستها الثانوية مصحوبةً بحماس معظم أبناء جيلها المسيحيين لهذا الحزب، إضافة إلى تأثرها بتأييد أهلها للشيخ بيار الجميل، ووجود منزلهم قبالة بيت الكتائب المركزي على تخوم ساحة البرج، الأمر الذي مكّنها من مشاهدة «تصرفات الفلسطينيين» عن قرب. وتراكمت في ذاكرتها صور كثيرة «هيّأتها معنوياً للحربلاحقاً، تسجلت جوسلين خويري في كلّيتيْ الحقوق والإعلام، حيث كانت «ناشطة كتائبية» بحسب مفردات اليوم. وخاضت هناك معركتها الرابحة الأولى للفوز بمقعد في الهيئة الطالبية، إضافة إلى تزعّمها يومياً السجالات التي كانت تعصف بالحياة الجامعية في تلك المرحلة. وعلى رغم ثورة «الهيبي» في مطلع السبعينيات و«انحراف» معظم زملائها صوب المظاهر التحررية، تمسكت بقناعاتها وانغمست أكثر في الكتائب. عام 1974 ذهبت للمرة الأولى إلى مخيم التدريب القتالي بدافع الحشرية فقط. لكن سرعان ما عشقت التدريب والحياة العسكرية وأسماء الأسلحة وألقاب المقاتلين. ووجدت في عبارات القياديين الميدانيين عن الشرف والاحترام والتضحية، وطريقة رفعهم العلم اللبناني وأداء التحيّة له ما تبحث عنه. في ذلك الوقت لم يكن غريباً على الكتائب، بحسب خويري، الاهتمام بتدريب النساء، وتستعيد من تلك المرحلة «صور الشاب المحارب فيما كانت الأم تطبخ والوالد يحرس والإخوة الصغار في السن يتنقّلون بين أزقة الحي لتوفير الطعام والذخيرة». وبعد مباشرتها التدرّب، أتت الراهبة المسؤولة عنها في العمل الرعوي حيث كانت تنشط لتطلب منها «الاختيار بين يسوع ولبنان». فاختارت الثاني «قبل أن يتضح أن الأول لم يتركني». وتقول خويري إن تحوّلها إلى مقاتلة تطلّب التزاماً كبيراً، فالتدريب «الحلو» يحتاج إلى مثابرة يومية.
    رائحة البارود لم تمنع «الريسة» كما تطلق عليها رفيقاتها، من متابعة دراستها الجامعيّة. فتسجّلت في كلية اللاهوت في جامعة الروح القدس ــــــ الكسليك واجتهدت في الدرس حتى داخل مجلس القوات اللبنانيّة الحربي وعلى الجبهات، الأمر الذي رسّخ ارتباطها بمجتمعها المدني والكنسي و«منع تقولبي» عسكرياً. وكانت تصرّ على البنات في فرقتها أن يكملن دراستهن، وقامت النظاميات بتوجيه وإشراف مباشر من «الريسة» بنشاطات روحية. وأنشأت خويري «مكتب إصغاء» داخل مركز النظاميات لمتابعة مشاكل المقاتلين وخصوصاً الفتيات اللواتي عانين بعدما ابتعدن عن عائلاتهن، وبعضهن أمهات، إضافة إلى نظرة البعض الدونية للنساء. لكن وسط اكتظاظ العمل، لم تجد «الريسة» مكاناً للعلاقات العاطفيّة. لم تفكر ليلة بضمة أو قبلة «لأن البقاء على قيد الحياة كان أهم من هذه جميعهالاحقاً، «بعد الانتفاضات داخل الكتائب والقوات عام 1986، وبثّ روح العداء بين الشباب، واستيلاء سمير جعجع على القيادة بالقوة»، قدّمت النظاميات استقالتهن، وجاء ذلك أيضاً استجابةً لشعورهن أن الاختبار الروحي الذي مررن به أبعد من الاختبار العسكري، ويُفترض أن يستمر حتى لو زالت الأسباب التي أوجدت القوات ـــــ «الجسم الذي وضعنا فيه أحلامنا وأهدافنا وكل جهدنا لبناء مجتمع حر يحترم الأخلاق المسيحية».
    في العام نفسه (أي عام 1985) أنهت خويري دراستها الجامعية، ووضعت تصوّراً لمستقبل «النظاميات»، فحافظن على اجتماعاتهن الأسبوعيّة ذات الطابع الروحي حتى 31 أيار 1988 حين أعلنّ إطلاق حركة «اللبنانية.. امرأة 31 أيار» معاهدات الله «أمام شفيعتهن العذراء مريم أن يعملن بوحي تعاليم الكنيسة المقدسة من أجل مجتمع إنساني أفضل، ووطن حقيقي يدوم»، وواعدين بالعمل «لأجل مجتمع يوفر للفرد كل ما يمكّنه من تحقيق شخصيته بكل أبعادها الإنسانيّة. مجتمع تسوده المحبة وروح التعاون والانفتاح، ويقوم على العدالة وصون الحريات».
    بداية سعت الجمعية إلى تعزيز التنشئة المسيحية، ثم بدأ البحث عن نشاطات أكثر عملية، فافتتحن صفوفاً لتعليم الأطفال. وعلى رغم نجاحهن، شعرن بنقص ما، تقول خويري، مشيرةً إلى حذر مجتمعهن في التعامل معهن، حتى على مستوى الكنيسة. وبصوت خافت تكشف الريسة عن شعورها أنها وعدداً قليلاً من الرفيقات وحيدات في الواجهة، من دون سند حقيقي. بعدها ببضع سنوات، تأثرت النظاميات برسائل البابا يوحنا بولس الثاني وبدأن العمل للدفاع عن كرامة الإنسان اللبناني من دون النظر إلى إنتاجيته أو جماله أو ثروته أو طائفته. وشاركن في تأسيس جمعية «نعم للحياة» التي باتت اليوم تتبع مباشرة للجنة الأسقفية لشؤون العائلة. وإثر زيارة البابا السابق إلى لبنان عام 2000، افتتحت «الريسة» بمساعدة «الرفيقات» مركزاً يحمل اسمه يعنى بشؤون العائلة. ونشط المركز منذ الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب بتقديم عدة خدمات إنمائية للبلدات المسيحية هناك، علماً أن عدد الناشطين في إطاره تخطّى المئة. وكانت خويري قد استأجرت مطعماً في بلدة غوسطا الكسروانية لتغطية بعض نفقاتهاليوم، تقول «الريسة» إنها تخدم مجتمعها بطريقة تجدها مثالية ولا تتدخل في السياسة بأكثر من دعم معنوي صغير لمجموعة قدامى القوات نظراً إلى التاريخ النضالي المشترك الطويل، وإيماناً منها بنظافتهم وصدقهم وبطولتهم.
    من جهة أخرى، وخلافاً لمعظم مقاتلي الحرب اللبنانية، تؤكد خويري أنها ليست نادمة على «حمل السلاح، وإطلاق النار على المقاتلين المتمترسين» في الجهة المقابلة لما تسميه منطقتها. وتقول إنها متصالحة مع ماضيها وفخورة به، ومشاعرها في هذا السياق إيجابية جداً، فهي تؤمن بأنها لو «لم تحمل البندقية للوقوف في وجه الفلسطينيين لأمكنهم أخذ البلد». وتتابع والبريق يشعّ من عينيها «لم أطلق رصاصة على أحد لا يحمل سلاحاً، ولم أذهب إلى منطقة أحد، هم كانوا داخل منطقتي».




    قصة القطيعة

    في 6 أيار 1976 كانت جوسلين خويري مسؤولة عن مجموعة صغيرة من الفتيات صدّت «هجوماً للفلسطينيين وحلفائهم» على أحد مواقع الكتائب. وبعد إنهائها دراسة الصحافة عملت محررةً في وكالة أنباء وفي صحيفة «العمل». في الثمانينيات راودتها فكرة التكرّس للحياة الرهبانية، لكن أثناء مرورها ببيت الكتائب المركزي قدم لها الرئيس بشير الجميّل عرضاً يقضي بأن تتحمل مسؤولية جهاز النظاميات في القوات اللبنانية. وإثر انتفاضة حبيقة وجعجع باسم القوات على حزب الكتائب، سمح حبيقة للنظاميات بإقامة احتفال في ذكرى تأسيس وحدتهن في 31 أيار رغم معارضتهن الانتفاضة. فيما عمد مجهولون، بعد إمساك جعجع بقرار القوات، إلى خلع باب مكتب النظاميات ليلاً وإفراغه من محتوياته، لتحصل القطيعة بين فتيات القوات المحبوبات وقائد القوات الجديد.