في 8 أيلول 2020، أقرّت وزيرة العمل السابقة لميا يمّين عقد العمل الموحد الذي يحكم العلاقة بين العاملات وأصحاب العمل، واعتُبر إنجازاً وتتويجاً لمسار نضالي خاضته العاملات والجمعيات الداعمة لهن، نظراً لما تضمّنه من تعديلات إصلاحية... قبل أن يوقف مجلس شورى الدولة تنفيذ العقد، بقرارٍ إعدادي أصدره في 14 تشرين الثاني 2020، بناءً لطعنٍ تقدّمت به نقابة أصحاب مكاتب الاستقدام. إذ تبيّن لـ«الشورى» أن «المراجعة مستندة إلى أسباب جديّة، وتنفيذ العقد يلحق ضرراً بليغاً بنقابة أصحاب المكاتب (المستدعي)». أضف إلى ذلك وجوب استشارة مجلس شورى الدولة بمضامين القرارات التنظيمية قبل إصدارها، وهو ما لم تفعله يمّين.

مع تسلم وزير العمل مصطفى بيرم للوزارة والتزامه، في مؤتمرٍ صحافي (10 كانون الأول 2021)، تفعيل عقد العمل الموحد الذي «تحمي معاييره العاملات من الاستغلال والإساءة، وتحتكم إليها مكاتب الاستقدام حرصاً على صيت لبنان وكرامته وتصنيفه»، عمل بيرم وفقاً للقاعدة واستشار شورى الدولة بنسخةٍ معدّلة للعقد اقترحتها الوزارة، ليأتي الرد بـ«عدم صلاحية الوزير إصدار عقد عمل موحد، فذلك يحتاج إلى قانون لكون تنظيم العمل المنزلي يبقى خارج أحكام قانون العمل»، وفق المستشار القانوني لوزير العمل الدكتور عصام إسماعيل، لافتاً إلى أن «استشارة الشورى ملزمة، لكن التقيد بما يصدر عنه غير ملزم، ولأن هناك حاجة لتنظيم العلاقة بين العاملات وأرباب العمل، وسعياً لوقف الانتهاكات التي لا تنتظر صدور قانون من الصعب تشريعه حالياً، لن يعود بيرم عن قراره بتفعيل عقد العمل بعد موافقة كافة الجهات وإلى حين إصدار قانون». إلا أن الصيغة التي اقترحها الوزير لم تذكر صراحةً إلزامية توقيع العقد بين العاملات وأصحاب العمل، وهو مأخذ للجمعيات لأنه في ظل اختلال توازن القوة بين الطرفين، لن يوقّع أي رب عملٍ عقداً يرتب عليه موجبات تجاه العاملة ما لم يكن ذلك إلزامياً. يجيب إسماعيل «عدم ذكر الإلزامية كان متعمداً، تطبيقاً لمبدأ قوة الإلزام بالتطبيق وليس بالنص، لأن الأخيرة تحتاج إلى قانون»، وعليه ستعمم الوزارة صيغة العقد على كتاب العدل وفي دوائرها كصيغة معتمدة، وأي معاملة تنقصها هذه الصيغة سترفضها الوزارة، «هكذا تأخذ الصيغة تقريباً قوة الإلزام بالتطبيق، وباعتمادها تتحوّل إلى عرفٍ ملزم من خلال توافق جميع الإرادات على اعتمادها». وهنا وجب التّنويه بأنه في حال قرر الطرف الأول في العقد، أي صاحب العمل، الطعن برفض وزارة العمل لمعاملته فسيربح الطعن.
في قراءتها لرأي مجلس شورى الدولة استغربت المحامية موهانا اسحاق، مديرة الشؤون القانونية في قسم مناهضة الاتجار بالبشر في منظمة «كفى»، اعتبار إصدار العقد الموحد من خارج صلاحيات الوزير، خصوصاً أن العقد الأساس موضوع منذ العام 2009 وساري المفعول، وما فعلته يمين وبيرم هو إدخال تعديلات عليه. لذلك، فإن قرار شورى الدولة هو «إطاحة بمسارٍ تعديلي شكّل عقد العمل الموحد نافذةً له، إذ من الممكن إدخال تعديلات إصلاحية تحسّن من واقع العاملات بقرار وزير كما حصل في عهد الوزيرة يمين، كمخرجٍ مؤقت في انتظار المسار القانوني التشريعي الطويل والخاضع للتضاربات والتجاذبات بين القوى السياسية، الأمر الذي عطّل ولا يزال تعديل قانون العمل وإقرار قانون خاص لتنظيم العمل المنزلي رغم وجود اقتراحات عدة في مجلس النواب».
بمعزل عن آلية التعديل، بتجميده لعقد العمل الموحد الصادر عن يمين، وضع شورى الدولة التطوير في مجال حقوق الإنسان بمساواةٍ مع مصالح مالية وعمل تجاري لمكاتب الاستقدام، حين أوقف تمتع فئةٍ هشة اجتماعياً (العاملات) بحقوقٍ تحميهن، فقط لأن خسارة مالية أو ضرراً سيلحق بمكاتب تجارية لمعظمها باع طويل في استغلال العاملات.
وبالانتقال إلى مضمون مسودة بيرم المرسلة إلى شورى الدولة، فقد شكلت موضوع الخلاف بينه وبين الجمعيات التي رأت فيها «سقطة تنسف كل ما تمّت مراكمته في السابق من إصلاحات عبّدت الطريق لإنهاء نظام الكفالة ليعيدنا عشرات السنين إلى الوراء». وفي بيانٍ وقّعت عليه 9 جمعيات إلى جانب «كفى»، أُدرجت البنود «المرفوضة» في المسودة، مقارنة مع ما كان مقراً في العقد الصادر في 2020، وفق الآتي:
- تضرب المسودة حقّ فسخ التعاقد بطريقة منصفة بين الطرفَين. فمن جانب العاملة، يُلقى على عاتقها عبء مادّي إن أرادت ترك العمل، بينما صاحب العمل لديه حريّة إنهاء العلاقة منفرداً ومن دون أي تعويض، على عكس النص السابق.
- تضيق المسودة هامش احتمالات العاملة بفسخ العقد من دون إنذار مسبق، في حين تعطي صاحب العمل إمكانية فسخه من دون إنذار في فترة التجربة، ولا تلزمه بشراء تذكرة عودة للعاملة في حال رغبت بالسفر.
- تمنح صاحب العمل القدرة على التحكّم بتنقّل العاملة بحرية خلال الأشهر الثلاثة الأولى التي تلي توقيع العقد، واحتفاظه بجواز سفرها والإقامة خلال كامل فترة العقد.
- تلحظ استمرارية العقد لصالح الورثة في حال وفاة صاحب العمل، ما يظهر نظرّةً تملّكية تجاه العاملة.
- إلغاء ساعة الراحة بعد خمس ساعات من العمل المتواصل.
- عدم إلزام صاحب العمل بالحد الأدنى للأجور.
- عدم تحديد عدد الأطفال في منزل المستخدِم.
- عدم إلزام المستخدِم تأمين العناية الأساسية بالأسنان عند الضرورة للعاملة من ضمن الرعاية الصحية.
- عدم إلزامية صاحب العمل بتبليغ الشخص الذي تحدده العاملة للتواصل معه في حال تغيير صاحب العمل عنوان سكنه.
وقد حملت المجموعات هذه الاعتراضات وناقشتها في اجتماعٍ مع بيرم بناء لطلبها، وعلى إثره وضعت الوزارة للمرة الثانية مسودة عقدٍ جديدة، يقول إسماعيل إنها «تضمّنت ملاحظات الجمعيات، وأخذت في الاعتبار كافة النقاط التي طالبت بها، لجهة إعطاء حقوق العامل الأولوية أكثر منها للمصالح المادية للمكاتب، ولعدم رغبة الوزارة بتقرير أي شيء يضر بالعامل».
في المسودة الأخيرة، تراجعت الوزارة عن العديد من النقاط المرفوضة من قبل الجمعيات كعدم حجز جواز السفر وعدم تحميل العاملة أعباء مادية عند فسخ العقد وإلزام صاحب العمل بالحد الأدنى للأجور... الخ، لكّنها لا تزال تخلو من بنود أخرى كإلزامية توقيع العقد وحرية تنقل العاملة...الخ. وعند سؤال «كفى» عن الموقف حيالها تجيب اسحاق: «لم نحدد قرارنا بعد في انتظار انتهاء الجمعيات كافة من دراسة النص لإبداء الرأي الموحد». هو رأي تنتظره الوزارة لإعلان التفعيل الرسمي وعودة العمل في عقد العمل الموحد وفق هذه الصيغة إذا جرى الاتفاق عليها. أما في حال رفضها فهل سندخل في جولة نقاشاتٍ جديدة؟ وأي حد أقصى من الإصلاحات سيقدّمها بيرم؟ أم أنه سيسير بها في حال موافقة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة عليها كجهة رسمية؟ في مطلق الأحوال ما سيتم تقريره يمس بسلامة وحياة وحرية وحقوق العاملات المنتظرات بدورهن ما ستؤول إليه الأمور.