توارى رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان عن أنظار حملة «جنسيتي حق لي ولأسرتي» بعد إصداره مرسوماً منح في «ربع الساعة الأخير» الجنسية لـ644 أجنبياً، قبل مغادرته القصر الرئاسي، ولم يردّ على أيّ من تساؤلات الرسائل المفتوحة التي وصلته، ولم يبرر السبب الذي «دفعه» إلى إصدار المرسوم، على ذاك النحو المستعجل، وتجنّب نشره في الجريدة الرسمية.


رفض سليمان طلب الحملة لقاءه للاستفسار عن سبب صدور المرسوم وإهانة آلاف اللبنانيات المحرومات من حق منح الجنسية لأزواجهن وأولادهن، أو لمكتومي القيد المقيمين في لبنان منذ عشرات السنين. لذا قررن مواجهة هذا المرسوم في الشارع، فلبّت البارحة عائلات معنية الدعوة الطارئة للتحرك أمام السراي الحكومي «إصراراً منا على أولوية حقوق النساء في لبنان، ورفضاً للإنكار والاستهتار في التعامل مع قضاياهن»، بحسب ما جاء في كلمة منسقة الحملة لينا أبي حبيب التي ألقتها خلال الاعتصام الذي رفعت المعتصمات خلاله شعارات منددة بخطوة سليمان النابعة من «اعتبارات طائفية ومحسوبيات»، متسائلين عن «المقابل» الذي تقاضاه الرئيس السابق مقابل منح «الأجانب» حق المواطنة، في حين أن المئات من «اللبنانيين» بانتظار أن يعطوا حقهم في جنسية البلد الذي ولدوا وتعلموا وحتى توفوا فيه، والجنسية بحسب ما هتف المعتصمون «حق يمنح، ولا يباع».
تخطى المرسومان الأخيران لسليمان كل «الفزيعات» التي ترفع في وجه النساء اللبنانيات وأسرهن، من التوطين الى الخطر الديموغرافي، ولم يعد مثلاً تجنيس 82 فلسطينياً يشكل أي أزمة أو عائق أمام حق العودة، ولم يعد يشكل «الأجانب المجنسون عبئاً على الاقتصاد اللبناني كما برر عدد من المسؤولين سابقاً أسباب تقاعسهم عن إقرار قانون جديد للجنسية يكرس حق النساء اللبنانيات في منحها لأزواجهن وأولادهن.
عدم صدور المرسوم في الجريدة الرسمية يعود لكونه مرسوماً فردياً، يبلّغ فيه المعنيون به مباشرةً. إلا أن أبو حبيب طالبت سليمان بالشفافية، وتبرير سبب صدور المرسوم وإخفائه، وأكملت في حديث إلى «الأخبار» أنه بالرغم من انتهاء ولاية سليمان رسمياً الا أن هذا لا يعفيه من المسؤولية ومن المحاسبة المعنوية على الأقل من نساء لبنان، وقد لمحّت الى إمكان القيام بتحرك قانوني ضد مرسوم سليمان في حال وجود ثغرة. وتستغرب اللجنة التناقض في المواقف بين زوجة الرئيس السابق وفاء سليمان، رئيسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، وبين الوزيرة السابقة ليلى الصلح حيث تحفّظت سليمان على ما قالته الصلح، خلال حفل في الشوف، لجهة التريّث في منح المرأة اللبنانية الجنسية لأولادها، «فلبنان وضعه صعب ونحن نرفض التوطين، من أي نوع هو ، ومن أي باب أتى»، حيث ردّت سليمان: «... ومن المطالب الحيوية إقرار قانون جديد للجنسية، يتيح للزوجة منح الجنسية اللبنانية لزوجها الأجنبي وأولاده! وتوجهت الى الصلح بالقول: «مع التحفظ للي قلتيه طبعاً!». إلا أنه يبدو أن هذه المواقف كانت شكلية فقط، فلم تحث سليمان زوجها طوال عهده على إقرار قانون تعديل قانون الجنسية، الذي اكتفى بتصريحات «شكلية» و«سطحية» داعمة لحقوق المرأة، التي لم تُعطَ الأولوية.
ومن اللافت أن ترد في المرسوم أسماء أقارب مسؤولين لبنانيين، ما يعزز الفرضية التي تداولتها المعتصمات بأن المرسوم صدر لأسباب انتفاعية، إما من أجل التهرب من الضرائب في بلدهم، أو من أجل إمكانية تملكهم عقارات إضافية في لبنان، أو لحماية مصالحهم الاقتصادية في لبنان، إذ إن عدداً كبيراً منهم هم من أصحاب رؤوس الاموال بحسب المعلومات المتداولة، كذلك فإن المرسوم المشكوك في قانونيته وطريقة إعداده، عدا عن أسماء الأجانب الواردة فيه، ترد فيه أسماء عدد من مكتومي القيد، في حين يحرم المئات من أقرانهم في الوطن عينه، وهذا التمييز داخل المرسوم يتناقض مع الدستور اللبناني الذي يقرّ بالمساواة.
شروط التجنيس في لبنان تقضي بأن يقيم الشخص في لبنان 5 سنوات متتالية، أو أن يكون قد قدّم خدمة ما الى الوطن. فهل بإمكان أيّ من المسؤولين أن يجيبوا عمّا إذا كان أيّ من الأسماء الواردة في المرسوم قد أقام فعلاً إقامة دائمة على مدى خمس سنوات؟ وإلا، ما هي الخدمات التي قدموها الى الوطن؟
لعل أبرز ما يمكن الحديث عنه حول المخالفات القانونية هو بالقرار 15 الذي استند اليه المرسوم لمنح الجنسية، حيث إن القرار لا يجيز منح الجنسية لأي أجنبي، بل فقط منح الجنسية لحالات استثنانية وخاصة مثل الأطفال غير الشرعيين المولودين في لبنان، أو مجهولي الوالدين، المرأة اللبنانية التي تخلت عن الجنسية اللبنانية لمصلحة جنسية زوجها الأجنبي ثم انفصلت عنه. ورغم الصلاحية الممنوحة لرئيس الجمهورية لإصدار مثل هذه المراسيم الفردية، إلا أن السند القانوني الوارد فيها لا يجيز للدولة اللبنانية منح الجنسية لجميع من وردت أسماؤهم، خصوصاً أن المادة الثالثة من القرار 15 التي تنص على شروط قد ألغيت في عام 1939 وفق القرار 122، «حتى إصدار قانون ينظم منح الجنسية»، ما يفتح الباب أمام أيّ من المتضررين المحرومين من حق الجنسية للطعن أمام مجلس شورى الدولة.
اعتصام يوم أمس «ليس الأول ولن يكون الأخير، وخاصة أن تطلعنا إلى الرئاسة لا يمر إلا من منظار دولة المواطنة والقانون فعلاً للمواطنين والمواطنات على حدّ سواء»، بحسب المعتصمات والمعتصمين الذين يعدون بتحركات مقبلة حتى إقرار قانون الجنسية.