سعاد البوهاتي تصوّر حكاية الانتماء الصعب والهويّة المستحيلةبعد إطلالتها الواعدة في العام ألفين، تعود المخرجة الشابة ومعها معاناة الجيل الثالث من المهاجرين العرب. تجربة التمزّق والغربة المزدوجة هي محور فيلمها الذي تؤدّي بطولته النجمة التونسيّة الصاعدة حفصية حرزي، ويتصدّر حالياً قائمة شباك التذاكر


عثمان تزغارت
ثماني سنوات مرّت كدنا ننسى خلالها المخرجة الشابة ذات الأصل المغربي التي جاءت من مدينة تولوز الفرنسية بجسدها النحيف وشعرها الأشعث، لتبهر الكروازيت بفيلمها الأول «سلام» (فيلم روائي قصير ـــــ 30 دقيقة). عُرض الفيلم في «مهرجان كان السينمائي» عام 2000، ضمن تظاهرة «أسبوعَي المخرجين»، ونال يومذاك جائزة «كوداك» للأفلام القصيرة والمتوسطة، قبل أن يحصد عدداً لا بأس به من الجوائز في مهرجانات أخرى، من بينها أربع جوائز في مهرجان Clermont - Ferrand للأفلام القصيرة (الجائزة الكبرى وجائزة لجنة التحكيم الخاصة وجائزة أفضل ممثل وجائزة الجمهور الشاب)، وثلاث جوائز في مهرجان «بريست» (أفضل فيلم، أفضل إخراج، وجائزة تلفزيون «آرتي» لأفضل فيلم فرنسي)...
احتفل كثيرون يومها بميلاد سينمائية واعدة سيكون لها شأن كبير. لكن السنوات مرّت، ولم تقدّم سعاد البوهاتي (1962) أيّ شريط سينمائي جديد... بل عادت إلى عملها الأصلي كمساعدة اجتماعية في مراكز إيواء العمّال المهاجرين في تولوز. خال بعضهم أنّ السينما لم تعد تستهويها، وأنّ «سلام» كان مجرد صيحة غضب واحتجاج، أرادت من خلالها لفت الأنظار إلى عزلة الجيل الأول من المهاجرين العرب في فرنسا، من خلال تصوير الساعات الأخيرة في حياة مهاجر جزائري يدعى علي، يستعد للعودة إلى بلده الأصلي بعدما أمضى ستين سنة كاملة في المهجر...
لكنّ «سلام» لم يكن مجرد شريط نضالي ذا منحى توثيقي. فهو لم يبهر النقاد والصحافيين الذين شاهدوه في «كان» بمضمونه الاجتماعي وقصّته المؤثرة فحسب، بل أيضاً ــــ وقبل كل شيء ــــ بفضل لغته البصرية التي طرحت جانباً الأساليب الحكائية التقليدية، لتصوّر معاناة تلك الشخصيّة في دوّامة العزلة والاغتراب، بشكل أقوى وأفصح من أي كلام أو خطاب. لغة بصرية صوّرت هذه المعاناة من خلال التقاط علامات الصمت والحزن والألم المزمن في تعابير وجه عليّ وحركات يديه العصبية، ومشيته المتعبة، ونظراته المثقلة بالمرارة والضياع، وهو يودّع المحيط الاجتماعي الذي عاش فيه ــــ أو بالأحرى على هامشه ــــ طيلة ستة عقود...وبقي السؤال معلّقاً لسنين: هل بإمكان موهبة واعدة كهذه أن تصمت نهائياً؟
لم نسمع جديداً عن سعاد البوهاتي حتى عام 2006، حين أُعلن أنها فازت بجائزة الدعم الإنتاجي الذي تقدّمه مؤسسة Groupama Gan Fondation Pour le cinéma عن سيناريو من تأليفها يحمل عنوان «فرنسية». وكانت التوقعات الأولية قد رجّحت، مطلع العام الحالي، أن يكون هذا الفيلم ضمن الاختيارات الرسمية لمهرجان «كان». لكنّ الفيلم لم يوافق، على ما يبدو، هوى لجان الاختيار. ما عجّل بطرحه في صالات العرض خلال الأسبوع الأخير من أيار (مايو) الماضي، بدلاً من الانتظار حتى الخريف المقبل حسب الترتيب الذي كان سيُعتمد لو شارك في «كان». وإذا بـ «فرنسية» يتصدر شباك التذاكر، مستفيداً ــــ بلا شك ــــ من الترقّب الشعبي الكبير للفيلم، بوصفه أول عمل تؤدي بطولته الممثلة التونسيّة الشابة حفصية حرزي التي اكتشفها عبد اللطيف قشيش، العام الماضي، وأسند إليها بطولة « أسرار الكسكس» (أو «كسكسي بالسمك» La Graine et le Mulet). وإذا بها تنال عن ذلك الدور الذي كان أول ظهور لها على الشاشة، جائزة أفضل ممثلة في «مهرجان فينيسيا»، ثم جائزة «سيزار» (المعادل الفرنسي للأوسكار) كأفضل ممثلة «فرنسية» لعام 2007 (راجع البرواز).
بمعزل عن استفادة الفيلم من شهرة النجمة الصاعدة حفصية حرزي، يُحسب لسعاد البوهاتي أنّها واصلت الرهان على موهبة حرزي، ومنحتها البطولة المطلقة في «فرنسية»، قبل أن يجد فيلم قشيش طريقه إلى المهرجانات وصالات العرض، ليحصد ذلك النجاح الذي نعرف...
تؤدي حرزي في «فرنسية» دور شابة من أبناء المهاجرين العرب في فرنسا تدعى صوفيا، وُلدت وتربّت حتى سن العاشرة في حي شعبي في إحدى مدن الجنوب الفرنسي. وذات ليلة، في خضم الوضع الاجتماعي الصعب الذي تتخبّط فيه العائلة، يقرّر والدها العودة نهائياً إلى مسقط رأسه في المغرب، مصطحباً معه كل العائلة. وإذا بصوفيا تجد نفسها غريبةً في بلد لا تعرفه، وسط أناس يتحدثون لغة لا تفهمها. وهنا تعاني كثيراً للتأقلم مع محيطها الاجتماعي الجديد، ويراودها الحلم الدائم بالعودة ــــ يوماً ــــ إلى فرنسا التي ارتبطت في مخيّلتها بسنوات الطفولة السعيدة...
لتحقيق هذا الحلم، تراهن بطلتنا على التفوّق في دراستها، ما يعطيها حجة كافية لإقناع العائلة بضرورة إكمال تعليمها في الجامعة في فرنسا. وها هو الحلم يتحقّق، وهي في السابعة عشرة، لتعيش مجدداً تجربة الهجرة إلى الشمال، أو الإبحار العكسي إلى الضفة المقابلة. عندما تصل إلى فرنسا، تكتشف أن البلد الذي وُلدت فيه، وكثيراً ما حلمت بالعودة إليه، ليس بالصورة المشرقة التي تكوّنت عنه في مخيّلتها الطفولية.
ومثلما فعلت في تجربتها الأولى، لا تكتفي سعاد البوهاتي هنا بتقديم فيلم ذي منحى اجتماعي عن قضايا المهاجرين العرب في فرنسا، بل تنطلق من تلك القصة نحو آفاق أوسع. إنّها تصوّر بلغة سينمائية آسرة ألم الحنين إلى الجنة الطفولية المفقودة. وتضع اليد على جرح الهوية لدى الأجيال الجديدة من أبناء المهاجرين، فهؤلاء يعانون غربة مزدوجة: في فرنسا التي تبقى تتعامل معهم كغرباء، علماً بأنّهم ولدوا فيها وتبنّوا ثقافتها ولا يتكلّمون سوى لغتها... وفي البلدان الأصلية التي يتحدّر منها أهلهم، حيث لم تعد لهم جذور حقيقية أو مكان... فيلم سعاد البوهاتي، هو حكاية ذلك التمزّق والضياع بين ضفتين، حكاية الانتماء الصعب والهويّة المستحيلة.



حفصية حرزي... «أسرار» نجمة صاعدةتقول: «لم أكن أعرف سينماه من قبل، وقلتُ له ذلك صراحة. لكن ذلك لم يثر لديه أي حساسية، بل تصرّف كعادته ببساطة وتواضع، وأعطاني أسطوانات «دي في دي» لأفلامه، طالباً منّي مشاهدتها. على الفور أُغرمت بسينماه، وأعجبني بالأخص فيلمه «الحق على فولتير» La faute à Voltaire، إذ يجسّد أكثر السمات التي تجذبني إلى السينما الفرنسية. فهو قريب من عوالم مخرجين فرنسيين أحبّهما كثيراً كهاوية سينما: أندريه تيشيني وأرنو ديبليشان» (شارك فيلمه «قصة عيد الميلاد» في مهرجان «كان» الذي اختتم الأسبوع الماضي).
والطريف في الحكاية أن حفصية، حين قالت لنا هذا الكلام قبل أشهر، في معرض الحديث عن لقائها مع قشيش، لم تكن تتصوّر أن كلّاً من المخرجين اللذين أشارت إليهما بإعجاب، سيقترح عليها المشاركة في مشروعه الجديد. التصوير هذا الخريف!